نبذ ثـقافة العنف والعنف المضاد إيجابي .... ولكن ؟

 

ثقافةالعنف والعنف المضاد في دول القرن الأفريقي  ، بدأت ترتفع حرارتها,

 ولا ندري، ماذا سيكون عليه المستقبل؟ فربما تسخن من جديد، وربما ستلفظ أنفاسها، الشيء الذي ندركه ان إسترداد الحقوق بالعنف المنتشر في أجزاء من دول القرن الأفريقي (الصومال إثيوبيا أرتريا وإقليم دارفور السوداني) عبر الثورات التي تدعمها دولة ضد أخري كمساندة إثيوبيا للمعارضة الأرترية ومساندة أرتريا للمعارضة الإثيوبية والتدخل الدولي السافر في الشأن السوداني لم يحل مشاكلنا بل سيزيدها تعقيدا ويحول حياة الشعوب الى نحو مزيد من الإحباط واليأس والفوضوية والإرتباك وفقدان الثـقة المتبقية بين شعوب القرن الأفريقي .

واليوم قد يكون للتفاؤل وجود لأن هناك إدراك جديد لسلبيات العنف وتحول في منظومة القيم، ليس فقط لأن حكومات هذه الدول، أخذت تزحف – طواعية أو كراهية- نحو النهج الديمقراطي وحسب، بل لأن الشعوب في دول القرن الأفريقي إقتنعت في نهاية المطاف، بأن إستراتيجية المقاومة اللاعنفية هي السبيل الأمثل لإستحصال حقوقها السياسية والإقتصادية على وجهها الأصح وما الجنوح الي السلم في جنوب السودان  والإحتكام الي المفاوضات في القضايا الأخري الانموذج من النماذج التي أفرزه حراك التغيير فىالقرن الأفريقي عبر نضالاتها الدؤوبة ونبذ المعارضة الأرترية لثقافة العنف والعنف المضاد ماهي الآإضاءات إيجابية في المشهد االسياسي الأرتري .

  فهل تتحقق مطالب شعوبنا المشروعة من حكومتها عندما تلجأ كتل المعارضة إلى إستخدام العصيان المدني، كوسيلة ضغط من أجل التغييرقبل اللجوء الي وسائل العنف الممقوتة ؟ وهذه نماذج من أنواع ثـقافة الإحتجاج المدني: ـ

الإحتجاج المدني، هو ببساطة، أن تعصي القانون أو الدستور(إن وجد) وتطيعه في آن واحد، فهو أرقى صور التمرد والمقاومة والرفض والإحتجاج... ولكن بالشكل السلمي المتحضر. له صور متعددة، مثل أن يخرج المعارضون بشكل جمعي، وفي أوقات محددة، لإجبار السلطات الحاكمة على الإنصياع لمطالب المحتجين الهادئين. ومثل رفض الموظفين للذهاب إلى دوائر الدولة، والمدارس والجامعات والمصانع والمعاهد، مع إغلاق كل الأسواق والمحلات التجارية والأفران ومثل إمتناع سائقي السيارات العامة والخاصة ومحطات الوقود وسيارات الأجرة في داخل المدن وخارجها. ومثل أن يخرج "المحتجون" رجالا ونساءا ولكن بهدوء، ويرفعون شعارات مطالبهم لا صراخ، ولا نداءات معادية، ولكن إحتجاج بهدوء. وكالجلوس في الشوارع الكبرى، وعلى أرصفتها، وفي وسطها، ولكن بصمت.

  يتوجب على الممارس للعصيان أو الإحتجاج  المدني أن يكون هادئا مالكا لزمام نفسه حتى يتحقق هدفه، فعندما يمسك به رجال الأمن والشرطة، لابد أن يكون مطيعا لهم تماما، يبتسم في وجوههم على الدوام، ولو سبوه أو شتموه؛ يجادلهم بالتي هي أحسن، أو يسكت؛ فإن السكوت أبلغ من الكلام. إذا أقتادته مفرزة الشرطة إلى المعتقلات ومراكز الشرطة، لا يقاوم؛ لأن المقاومة عنف والعنف ينافي جوهر العصيان المدني!

 الإحتجاج المدني: هو أن يعاهد ممارس اللاعنف نفسه وضميره ووطنه أن يتحمل المسؤولية بمفرده، وكأنه وحده في الساحة، ثم يحاول أن يقنع الآخرين بقضيته.

   لقد كان "لغاندي السبق في إتخاذ العصيان المدني كوسيلة لتحدي القوانين الجائرة؛ متخذًا أسلوب اللاعنف. وجاء من بعده "مارتن لوثر كينج"، في إطار حركته المطالبة بالحقوق المدنية؛ فسار على خطا غاندي مبتكرًا أسلوبي المسيرة والجلوس الإحتجاجيين، لخلق موقف متأزم مستحكم يُرغم الحكومات والأنظمة على فتح باب النقاش والتباحث".

ولكن هل ينجح أسلوب العصيان المدني في دول تحبو في طريق الديمقراطية كدول القرن الأفريقي والدول الأفريقية جنوب الصحراء والبحيرات العظمي ,

  هناك من يرى أن اللجوء إلى العصيان المدني في دول القرن الأفريقي، كأسلوب متطور لإنجاز المطالب وتحصيل الحقوق، ما هو إلا ضرب من الخيال، وكلام غيرمجدي لا معنى له..، فأنت تستطيع أن تتحدث عن الإحتجاج المدني، في دولة مثل المانياوكندا وسويسرا، والسويد وما شاكلها من دول العالم المتحضر، ولكن لا يمكن أن تتحدث عن مفهوم الإحتجاج المدني، فضلا عن تطبيقه في الدول "المتوحشة" كالدول الأفريقيةإلا إذا كنت مجنونا؛ لأن إستخدام الأسلوب اللاعنيف راسخ في الدول التي تكون معاييرها أسس العمل الديمقراطي، وحقوق الإنسان وحرياته، وتحكيم مبادئ العدالة والمساواة الإجتماعيين، أما في دول القرن الأفريقي الجامدة كأرترياأو الزاحفة نحو الديمقراطية،كإثيوبيا والسودان لا يمكن اللجوء إلى هذا السلوك على سبيل الحقيقة، لأجل إستبدال الحكومة المستبدة أو تغيير منهجها، لأن قيام نهج الإحتجاج المدني غير العنيف في هذه الدول يحتاج إلى ترويج ثقافة اللاعنف والعصيان المدني عند الجماهير والسلطة على حد سواء، وهو ما زال في طور التكوين، يموت حينا، ويفيق آخر.

وبالتالي، فإن الكلام عن الإحتجاج المدني في بلدان القرن الأفريقي، مثل أرترياأو إثيوبيا ، أو الصومال ، كلام قد لا يمت للواقع بصلة، كيف تستطيع حشود مطوقة بطوق من رجال الأمن والشرطة العسكرية وعيون الجواسيس والمخبرين السرين، ولا تملك إرادتها في التعبير عن غضبها إلا في نطاق أسلوب الإحتجاج المدني، أن تغير نظام مستبد مسلح، لا يفهم إلا منطق القوة والعنف والسلاح؟

هل من عاقل، يتحدث عن إزاحة حكومة جنبار أو عزل رأس النظام، بطريق اللاعنف والعصيان المدني اللاغاضب!؟. كلام أقرب إلى الهزل من الجد. قال أحد أركان النظام متحديا الضميرالأرتري  "لقد وصلنا إلى مانحن عليه بقوة السلاح، ومن أراد إنتزاعه منا عليه أن يجرب حظه بقوة السلاح" هذا ما ذكره أحد أركان النظام في إحد الردود الساخرة .عن جزء أو كل من الأسئلةالتي يلقيها المهتمون بإستقرار البيت الأرتري .

 وخلاصة أنصار هذا الرأي: أنهم يؤيدون عمل الإحتجاج المدني، كأسلوب حضاري في إحداث التحولات السياسية، ولكن الحديث عنه في إطار دول القرن الأفريقي حديث غير واقعي، إذ لم تترسخ قيم السلام واللين، ووضع أسس الإستراتيجية اللاعنفية في المجتمعات القرن الأفريقية.

   بينما يرى آخرون أن العصيان المدني، هو الطريق الأمثل للمقاومة السلمية، وهو الأسلوب الأسلم والأضمن لتغيير النظام حتى لو كان في دول متوحشة ,بل إن ذلك أكثر جدوائية لأن هذه الأنظمة الشمولية تعيش وتتغذى بالعنف والعنف المضاد، واللاعنف المضاد أو الإحتجاج المدني يشلها ويجعلها عاجزة ومكشوفة على حقيقتها. كما أن أساليب المقاومة اللاعنفية تتطور مع التطور الحضاري لسلم القيم الإنسانية والثقافية والمعرفية لأي مجتمع، لأن قوة الإستبداد ووحشيته تنبع من تنامي الجهل والفوضى وبدائية المجتمع المدني وطائفيته ومدي نزعاته الشوفونية.

وبدراسة بسيطة لوقائع التأريخ لمنطقة القرن الأفريقي المعاصر تثبت لنا أن الثورات المسلحة والعنيفة تحولت الى دكتاتوريات رعب إرهابية إنقلبت على الشعوب المضطهدة لتتحول الى أنظمة شمولية كاسرة ,التهمت حقوق الشعوب وأجسادهم في حروب وثرواتهم في نـزوات .

لأن المقاومة العنيفة بالتجربة هي من أفشل المقاومات على الإطلاق، بدليل أنها ظلت إستـثناء من قاعدة عامة، هي قاعدة السلم العام.

وبالتالي، لا يشترط  في قيام الإحتجاج المدني في دول القرن الأفريقي أن تكون المعارضة والحكومة قد أتفقتا على العمل اللاعنفي، لكي نقول بصحة الممارسة من الناحية النظرية، فسواء إقتـنعت الحكومة والمعارضة معا، أو أحدهما دون الآخر، فان اللاعنف السياسي، لابد أن يكون الخيار المتجدد للشعب في كسب الحقوق والحفاظ عليها، لأنه يعبر عن قوة المجتمع المدني وقدرته على تنظيم نفسه وتنامي المعرفة السياسية وتطور الحس العقلاني في مقابل تدني الإحساسات العاطفية والحماسية والإنفعالية.

وهو يدل على تجذر المبادئ للمطالبين بحقوقهم وتفاعلهم العميق مع أهدافهم بالتحمل والصبر الطويل دون أن يضحوا بها لصالح الوسائل والغايات الوقتية.

فصاحب الهدف الأسمى يكون دائما على أهبة الإستعداء للتضحية بنفسه، ولا  يسمح لها في لحظة ضعف ما أن يؤذي أحد ولو بالكلام، وهذا ما دل عليه سلوك الثوريين والعظماء مثل [ باتريك لومومبا, نيلسون مانديلا والثائر العظيم الرفيق جون جرانغ وإبراهيم عافة وأبرهام تولدي] من أبناء القرن الأفريقي وأفريقيا الذين آثروا الإستشهاد من أجل المبادئ وآخرون لايتسع المقام بذكرهم.

يرى كثير من الباحثين ومن دعاة منهج اللاعنف واللاعنف السياسي أن كافة الرسالات السماوية كانت لها سياسة واحدة، وهي سياسة اللين واللاعنف والغضّ عن إساءة الآخرين. فهذا هابيل عندما هدّده أخوه بالقتل أجابه مباشرةً بجواب يكشف عن التزامه بسياسة السماء الداعية إلى اللين واللاعنف، حيث قال : (لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَـقْتُـلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِي إِلَيْكَ لاَِقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ(المائدة : 28. وعندما أمر الله تعالى نبيه موسى (ع) ووصيّه هارون (ع) بالذهاب إلى فرعون الطاغية، أوصاهما بإلتزام اللين واللاعنف إبّان دعوته إلى الله، فقال عزّ من قائل: "فَقُولاَ لَهُ قَوْلا لَيِّناً" سورة طه : 44. وكذلك التزم نبيّ الله عيسى(ع) بقانون اللين واللاعنف في دعوته، بل كان يوصي أتباعه به حيث قال لبعضهم يوماً : « ما لا تحبّ أن يفعل بك فلا تفعله بأحد وإن لطم خدّك الأيمن فأعط الأيسر».هذه هي الثقافة المجتمعية التي يجب الإعتزازبها لأنها الوعاء الكامل الذي يحوي كل الديانات السماويةالتي تتعايش سلما منذ قرون إلا في حالات نادرة تستخدم أداة في يد الإمبيريالية الدولية التي

تسعي دائما لتعزيز مصالحها الإقليمية والدولية  ممتطية  الدين الذي يعتبر حصان طروادة لخدمة الأهداف الإمبيريالية . عودة الي بيت القصيد

وحول قدرة الإحتجاج المدني والإنتصار باللاعنف وتحقيق الأهداف دون حدوث أضرار كبيرة وصي نيلسون مانديلا الفلسطينيين في ثورتهم التي سميت بثورة الحجارة: إن التظاهرات الحالية لو تحولت إلى مظاهرات سلمية لكانت أقرب إلى النجاح، لأن الإستناد إلى قوة السلم أمضى وأنفع.

ولكي يتحول الإعتصام المدني الى حركة حقوقية إحتجاجية شعبية ناجحة لابد من التأكيد على المبادئ التالية:

-اعتبار الإحتجاج المدني حق طبيعي من حقوق الشعب، لا يمكن التنازل عنه بأي صورة من الصور.

-اعتبار الإحتجاج المدني وسيلة حضارية من وسائل التحول السياسي والمعارضة في دول القرن الأفريقي وأفريقيا.

- ضرورة تعميم الإحتجاج المدني  عبر نشر ثقافة اللاعنف وتنميط أدواتها وأساليبها، وعبر تحولها الى قيم ثقافية راسخة في المجتمع والجماعات الكبيرة والصغيرة والأسرة.

- ضرورة توعية المواطن وخصوصا المواطن في دول القرن الأفريقي أهمية العصيان المدني كوسيلة من وسائل المطالبة بحقوقه المشروعة وممارسة المعارضة السلمية، وإخراجه من دائرة اللامبالاة والخوف وعدم تحمل المسؤولية.

- ضرورة قيام مؤسسات المجتمع المدني بتدريس الأسلوب وتعميمه على كافة طبقات المجتمع مما قد يحول قوة المجتمع أو الإحتقانات الداخلية والنفسية الى قوة إيجابية وليس تخريبية عنيفة.

- ضرورة تفهم السلطات في دول القرن الأفريقي لأهداف العصيان المدني، وأخذها بنظر الإعتبار، والتأكيد على تحقيقها، لأن يضمن مصالح البلاد حيث يتم إحتواء التخريب والعنف والفوضى الناجمة عن الإحتـقانات الغوغائية.

- ضرورة تطوير أدوات العصيان المدني وإستحداث أساليب جديدة لأدائه على وجهه الصحيح.

- أن يجعل المجتمع المدني لدول القرن الأفريقي الإحتجاج المدني هو الأسلوب الأوحد في ممارسة المعارضة، مع ضرورة وجود مواثيق بين دوله بالخصوص تمنع ضرب وقمع التجمعات السلمية.

- الإستفادة من الثورة التكنولوجية الجديدة المتمثلة بالإنترنت من أجل تعميم أساليب الإحتجاج المدني ودعم الشعوب المقهورة التي تمارسه عبر نشر قضاياها وأهدافها. وتعتبر الجالية الأرترية في اوستراليا رائدة  في ممارسة المعارضة السلمية وحققت بذلك الكثير لأساليب الإعتصام المدني الأرتري المنظم .

وأخيرا نجد أن اللاعنف هو فلسفة قادرة على تحريك قوة العقل وطاقة المعرفة وبالتالي القضاء علي فوضوية الجهل والأمية المتلبسة بالعنف والإنفعال والحماس واللعب بالأهواء والعواطف.

الإحتجاج المدني هو حركتنا المستقبلية التي تنبع من خياراتنا الذاتية نحو بناء مجتمع ديمقراطي تعددي أرتري وقرن أفريقي قائم على حقوق المواطنة والمشاركة والعدالة .

بقلم / يــاسين إدريس

كاتب وصحفي أرتري مستقل

30/6/2007