اليتيم

في أيام الشباب، سميت زينب النعامة، وبعد الزواج زينب العزيزة، دفع فيها ذلك المهر الذي تحدث عنه الناس من البحر إلى الجبل، وأحضرت على ظهر البغلة وعندما همت بالدخول إلى بيت الزوجية، حيث الخلوة الشرعية لتنضم إلى حريم شيخ إبراهيم، وجدت سقف مدخله أدنى من قامتها المديدة، فامتنعت عن الدخول، ونزلت في خيمة مؤقتة حتى إتمام التعديل. وقضت نحبها في أول ولادة. قيل ذلك من أثر العين التي لا تصلي على النبي، ورضع اليتيم "هوميي"، من ثلاث مرضعات، في وقت واحد.

في أقصى الجنوب من القرية، عند آخر الأكواخ، يتبدد هدوء الصباح بخليط من أصوات البشر والبهائم، وشيخ إبراهيم يتربع فوق المصلى من الحصيرة، ويغرق في الآفاق الرحبة من الروحانيات. سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وكان ذلك بعد ذهاب الأبناء إلى الأعمال والزوجات يتنافسن في سباق مع الزمن، الأولى تعد القهوة، والثانية الفطور، والثالثة مشغولة في تلبية متطلبات الأطفال من التنظيف والتلبيس والتغذية. الكل يعمل تحت شعار الإدارة الناجحة تتحقق بتقسيم العمل. وعندما تناهى إلى سمعه وقع الأقدام، التفت فوق كتفه الأيمن، ولمح ثلاثة أشخاص، استدار نصف دائرة،  واستقام من التربع، وتقدم للقادمين بالترحاب.  

نطق أحدهم بالتحية: السلام عليكم يا شيخ إبراهيم. فرد قائلا: وعليكم السلام، ورحمة الله وبركاته، أرحب وتفضل، زارنا الخير، وزارتنا الملائكة، من دون أن يكمل، وقبل أن يضع يده بأيدي الضيوف، هرول إلى داخل المجلس، وعاد بالفراش. وعندما تأكد، من أن الضيوف أخذوا أماكنهم، على البساط، صفق بيده، للتعجيل في إعداد القهوة، وهي محل الضيافة، لما لها من التأثير في تنبيه الأذهان، في ذلك الوقت المبكر من الصباح.  

وبعد تناول العصيدة والحليب بالعسل والقهوة، جاء دور الحديث، وبدأ بالكلام مرشد القرية، نور خليل: يا شيخ إبراهيم، حدثتك عن هذه الزيارة وعن هؤلاء الضيوف الأحباب المفوضين، بأمر من المفتش، بخصوص تسجيل الأولاد في  الداخلية. فماذا ترى؟

- شيخ إبراهيم: كما تعلم، قد ألحقت أولادي، في خلاوي القرآن الكريم، ولله الحمد، ختم الجميع فيها كتاب الله. لو كانت مدرسة المفتش تدرس اللغة العربية، لسجلت فيها كل الأبناء، خاصة عندي ولد، كثير العصيان والتمرد. وانطلاقا من الأمل، فإن مدرسة المفتش تلك، تجعله يلين ويتأدب. ولذلك، توكلت على الله، ووافقت على أن أسجل ابني "هوميي".

- رئيس التسجيل: إذن، ونقول باسم الله، ونعوذ من إبليس ونصلي على النبي، ونسجل البيانات.

- الاسم: هوميي إبراهيم.

السن: 8 سنوات.

عدد الأشقاء: لا يوجد 

عدد الإخوة: 12.

العافية: عيوب/عاهات، إن وجدت، لا سمح الله. 

- شيخ إبراهيم: ما المقصود، في هذا؟.

-نور خليل: القصد، هل ابنكم "هوميي" يعاني من مشاكل صحية، لا سمح الله، على سبيل المثال: الصرع، وغيره، والعياذ بالله.  

- شيخ إبراهيم: لم نشاهد عليه الصرع، وفي بعض الأحيان وعند الغضب يبدو كالمصروع، يختفي عن لسانه الكلام، يزبد كالبعير المجنون، ويكسر كل ما يجد أمامه.

- المسجل: آه، استمر يا شيخ إبراهيم.

شيخ إبراهيم: يظهر عليه الهذر المزمن أثناء النوم، حتى اعتقدنا، أن ذلك ما هو إلا الأثر الناتج عن المس بالجن، أو الزار وألاعيبه. ولله الحمد بعد الفحص، عند شيخ "علاويس"، اتضح أنه لا يعاني من هذه الآفة. ومع ذلك، فإن أكثر ما يبدو عليه من الانحطاط، هي عادة المشي في النوم، عندما يترك مكان المبيت في زاوية المنزل، وفي الصباح عند البحث عنه، نجده قد رقد في حظيرة مع البهائم.

- المسجل، (وهو يبدي الاهتمام الفائق): عظيم، ثم ماذا؟.

- شيخ إبراهيم: تظهر عليه، عادة سيئة مقززة، لم تظهر على أي من الأطفال في هذه الناحية، وهي أنه يميل إلى تناول بقايا الطعام، في قيعان الصحون والحلل، ويأنف من أن يشرب الحليب منفصلا، بل يخلط أنواعه، من الإبل والبقر والماعز، وعندما أنكرنا عليه ذلك، عارضنا بشدة، حتى تركناه. وأسوأ من ذلك كله، يشرب الماء الذي تغسل فيه الأيدي بعد الطعام، وهو في غاية من الاستمتاع والانسجام في ممارسة هذه العادة السيئة، ونال على ذلك العقاب تلو العقاب، ولكن دون جدوى.

- المسجل: (وقد بلغ إلى الحد الذي اغرورقت عيناه بالدموع): ثم ماذا؟

- شيخ إبراهيم: لديه عادة سيئة أخرى، يأكل الطين، وبذلنا الكثير من المحاولات لمنعه من هذا السلوك الغريب، وعندما تعبنا أسلمنا أمرنا إلى الله وتركناه يأكل الطين كالثعالب!

يا لطيف، هل الثعالب تأكل الطين؟ وكل هذا السرد وغيره، والجميع قابض على أطراف الأعصاب، وشيخ إبراهيم يتفاعل مع ما يلقى عليه من الأسئلة بردود اتسمت بالأمانة والدقة المتناهيتين. حتى أضاف: في بعض الأحيان يتبع أي عابر سبيل، وفي أحد المرات غاب عنا، لأكثر من شهر، وكان عمره في ذلك الوقت أقل من خمس سنوات، عندما ذهب خلف الرحل العابرين من هذا المكان، وبحثنا عنه في كل النواحي، وعند اليأس اعتقدنا أن الولد أصبح لقمة سائغة في فم الذئب، أو قبض عليه من الجن وأصبح منهم، ولنتأكد؛ ذهبنا إلى شيخ "علاويس"، الذي ضرب بالرمل، وبعد الترتيب والتوزيع والعد والحساب، قال (مطمئنا لنا): ولدكم يعاد إليكم، ممسكا بيد رجل أعرج، ولا بأس عليكم، والجن يقبض على الناس من ذوي الصفات الحسنة من الجمال والوسامة والذكاء، وأما ولدكم "هوميي" فمنفية عنه تلك الصفات!

الحقيقة هي، كل الذي قاله شيخ إبراهيم عن ولده، حقيقة تامة، إلا عادة المشي في النوم، السلوك الذي كان يتظاهر به للهروب من عادة أبيه في الليل، كارها أن يراه، وهو يكدح في تحقيق العدالة بين النساء، بينما هو يتقلب بين اليقظة والنعاس، والأرق يطحنه طحنا على الفراش، عندما كانت تصل إلي سمعه تلك التأوهات المستمرة، التي تكسر عليه هدوء الليل: "آآي، آآي، آآي". يا شيخ اتق الله. اخرسي يا امرأة، أعوذ بالله، من عمل الشيطان. حتى سمع في ليلة من الليالي، بعدما رأى أبوه يدخل على أمه الثانية، وعندما بلغ قعر الكوخ، سمعها تقول: يا شيخ الدم، عبارة بعثت في جوانحه الفزع، واعتقد بأن أباه ذبح المرأة، ومن تلك الليلة، عود نفسه في أن يتظاهر في الربع الأول من الليل المبيت في زاويته من الكوخ، وأما في الربع الثاني، يغادرها ليتمم نومه بهدوء في زوايا الحظائر، مع البهائم.

لم يكن يعرف هذا السر، إلا هو. طريقة لجأ إليها، بعدما يئس من النوم في الأكواخ مع إخوته، وهو يراقب ويرى أباه ينتقل بين نسائه الثلاث، يبدأ باسم الله، ويدخل الكوخ الأول، ويخرج منه متضرعا إلى الله، وطالبا منه أن يكثر له في الذرية الصالحة، من جنس الذكور. ويدخل إلى كوخ الاستحمام، ويصدر الكثير من الضوضاء، يصل مداه حتى إلى أبعد الجيران، يفعل الشيء نفسه، عند الكوخين الثاني الثالث، ولا ينام إلا بعد المثابرة المطولة في هذا الكد، بل يتجاوزه في آخر الليل ويخوض في النوافل من الصلاة، وفي الصباح، وهو أول المستيقظين، وزوجاته يستمتن في رد الجميل إلى هذا الكهل الفظ مقابل أعماله الجليلة في تلك الليالي الحالكات بالسواد، في الفصول الأربعة جميعها. بينما هو يحسده على تلك النعم، متسائلا في نفسه طول الوقت: هل سيكون له ثلاث أو أربع من النساء؟ ولماذا يشقى أبوه كل هذا الشقاء، في الانتقال والاستحمام بالماء البارد، لأكثر من ثلاث مرات؟ ولماذا لا يطلب من هؤلاء النسوة الرقاد على الفراش الواحد وهو بينهن يتقلب كتقلب الحوت في أعماق المحيط؟ صحيح هذا رجل يحب التعقيد!

في إحدى الليالي، حلم ذلك الحلم الغريب العجيب، عندما رأى أمامه سبع فتيات، كل واحدة منهن أحلى من الأخرى، وأبوه يناديه، يا ولد، أنت يا "هوميي"، تعال، أقبل إلي. وعندما حضر، قال: تخير أربع من هؤلاء الفتيات، لم يصدق، ومع ذلك، وقع اختياره على الأولى، والثالثة، والخامسة والسادسة، ثم كر نظره إلى وجه أبيه المتجهم دائما، وجده قد تغير وتبدل بالغضب والشر. وسأله: كم فتاة اخترت، يا ولد؟ قال: أربع، قال: يا قليل الأدب، وصفعه على وجهه صفعة مدوية، من ليلتها، حرم على نفسه، صيفا وشتاء أن ينام في أكواخ أبيه تحدث فيها، أشياء غامضة، كلما بلغ الليل ربعه الثالث. 

- قال المسجل (وهو مستمتع بالحديث): ثم ماذا؟

- قال شيخ إبراهيم: تحققت نبوءة شيخ "علاويس"، حتى لو كانت ناقصة بدرجة، لأنه وفي أحد الأيام وبعد أكثر من شهر، عاد إلينا ولدنا،  وهو ممسك بيد رجل مبتور الذراع. عندما سألناه لماذا ذهبت خلف هؤلاء الرحل يا ولد يا شيطان؟ قال: أردت معرفة أين ينتهون في أسفارهم، وكنت قد أحضرت له العقاب الشديد، ولكن إجابته الغبية، شلت كياني، وما كان مني إلا أن تركته في حاله. وفسر رئيس التسجيل تلك الحالة بالقول: إن الولد لا يفرق بين أهله والآخرين، فما هي تلك إلا " ظاهرة التوحد"، العجز في الاتصال بالآخرين.   

كان "نور خليل"، يعرف كل تلك المعلومات، بكونه من أهالي القرية، ولم يكن راضيا عن سردها بتلك الطريقة، حتى لا يرفض الولد من التسجيل، لأن ذلك يخفض أجرته عند المفتش، وهو القابض على كل رأس ولد يسجل مبلغا وقدره 10 ريالات.

تحدث بعد ذلك مساعد التسجيل، عندما قال: يا شيخ إبراهيم، هل ابنك هذا، يعاني من التبول اللاإرادي؟ أو هل يتبول في الليل؟ وما أخباره مع السرقات، وقدراته في الاستيعاب، وحكاياته مع الكذب والتلفيق واللف والدوران؟

- قال شيخ إبراهيم: أتوكل على الله، أبدأ لك بالاستيعاب، الولد ليس بذلك الغباء، ولكنه يتعتع بالكلام، عندما يبدأ به يرفرف بأهداب العين، يغمض بالعين اليسرى ثم باليمنى، ويبدو كما لو أنه يريد العطاس ولا يبلغه، وبعد كل ذلك ينطق بكلمة، وعادة تكون صحيحة، ولها صلة بموضوع الحديث، وإذا فشل في هذا السعي، يعطيك قفاه ويذهب، وإذا قدر على نطقها رجع إليك مهرولا، ولو بعد حين، الولد مطيع!.

أما عن التبول اللاإرادي، فقد لازمته هذه العادة، حتى وقت قريب، والآن تعافى منها، ولله الحمد والشكر. وعن السرقات، لم نلحظ عليه هذا السلوك السيئ. وعن الكذب، فإن أبرز صفة فيه، لا يقول إلا الصدق، حتى لو كان فيه عقابه. 

وبانتهاء الرجال من الكلام، وكانت الفناجين قد دارت دوراتها الثلاث المعتادة، استأذن نور خليل، شيخ إبراهيم، وأعاد المسجل قراءة البيانات، على مسامع الأب، وأخذ توقيعه عليها، وطلب منه أن يجهز الولد، في نهاية هذا الشهر، والمطلوب: حقيبة صغيرة بها غياران من الملابس، ومبلغ 69 ريالا.

 في الموعد المحدد، ذهب شيخ إبراهيم بابنه إلى السوق، اشترى له، الكسوة والنعل، ولأول مرة سوف يضع "هوميي" ذاك الشيء الذي اسمه الحذاء في القدمين، واعتنت إحدى الأمهات الحنونات بالحقيبة: رتبت الملابس، ودست بينها عدد من التعاويذ، آية الكرسي بخط أبيه، طلاسم لا يمكن قرأتها حتى من خبير الخطوط. وأعدت له "بقجة" الزاد، بها من الطيبات ما تكفيه أثناء الرحلة، خبز مصنوع من العجين البلدي، مضاف إليه الدقيق الإفرنجي "الفينو" المخلوط بالعسل والسمن، وشرائح من لحم الضأن المجفف بالملح المبهر والمحمس بالرماد، والسكر والشاي، حبات البلح، النعناع الإفرنجي، والبسكويت، ولترين من "الحلبة"، لما فيها من الفائدة العاجلة، في حماية الأمعاء من الإمساك والجفاف، وأما عن المنفعة المؤجلة، فبالتأكيد سوف تبرز بقوة عند البلوغ والزواج، يا سلام شغل الأم ما عليه كلام.

وفي يوم الموعد تجمع الأولاد من كل زاوية في القرية، وكان عددهم 23 ولدا، وفي عيون أهل القرية، "هوميي" هو الأكبر في السن والأدنى في العقل، وجهات النظر كانت تسمع بوضوح على ألسنة الحاضرين من هنا وهناك، لماذا شيخ إبراهيم يرسل هذا الجحش من الأولاد؟ ألم يكن الأجدر به أن يختار أحدا من هؤلاء النوابغ المعروفين بحفظ القرآن الكريم وطاعة الوالدين، واحترام الكبار والاهتمام بالبهائم؟ بينما في حقيقة الأمر، كان أغلب هؤلاء 23، هم في ميدان العته والشر، سواسية كأسنان المشط، وها هي القرية تتخلص منهم باسم التعليم، عندما حضر كل منهم ممسكا بيد أبيه، أمام المفتش، ذلك الأصلع البدين ذو الشوارب الحادة، والكرش المتدلي، جعله يتمتع بالمدى العميق من القبح، كما لو أنه امرأة عجوز في النصف الأول من العقد الرابع، حاملة في شهرها التاسع، تصارع الحياة، مع آخر البطون، يتدلى على الركب، بسبب الترهل في الرحم احتضن الاثنى عشر، نصفهم تحت الثرى، في ظاهرة يتجلى فيها الصراع الأبدي بين البقاء والفناء.

في الليلة الفائتة، هون شيخ إبراهيم من كده المعتاد، بل لم يذق طعم النوم أيضا، يأخذ ويجيب الأفكار في الرأس، يتذكر كيف باءت كل محاولاته بالفشل، ليبقي ولده معه، وكم ود وتمنى أن يسمع على لسان المسجل: يا شيخ إبراهيم، أنا آسف، ولدك هذا لا يصلح للمدرسة، ولكن الولد سجل، والغد هو يوم السفر.

حل زمن المغادرة فعليا، بدأ اليوم كيوم المأتم، وذرف الجميع الدموع، وصاح المفتش بالناس، وطلب السكوت، ثم نادى على الأسماء، وعندما أحضرت الدواب "الراحلة"، 13 بعير و3 حمير، أمر بتحميل 3 جمال، الواحد بالماء، والثاني بالزاد، والثالث بالأغراض وحاجيات الأولاد، و10 جمال يمتطيها عشرون من الأولاد، والباقون، يركب كل منهم ظهر حمار، حتى نشب الخلاف والتعارض بين الآباء، عندما لم يرض الواحد منهم، أن يكون ولده من الأوباش تركب الدواب الدنيئة، حتى تدخل المفتش، ناظرا في الدفتر أمامه، وسائلا من هم الأكبر في السن بين الأولاد،  لأنه سوف يكون ذلك حسب السن، "موسى محمد أوكلي، إدريس علي أسملي، هوميي إبراهيم كيتوبلي"، أنتم الثلاثة تركبون ظهور الحمير، وليس هناك عبيد وأسياد،  وكلنا من آدم وآدم من تراب.

فرح هوميي بالقسمة، وبذلك لن يشاركه أحد ظهر الحمار، وبعد البكاء والعويل من الأمهات وكان للعاقرات من نساء القرية الحضور المقدر، للمشاركة في الصياح الجماعي، ومع ذلك، تحركت الراحلة، ودنا شيخ إبراهيم من ولده، ليتأكد في ما إذا كان قد استقر على ظهر الدابة، وبعدما اطمأن، رأى أن يوصيه بوصية خطيرة، عندما قال: يا ابني، يا "هوميي"، الله الله، ثم الله، لا تفوتك الصلاة في وقتها، في أي مكان، وفي أي زمان، وإن اتبعت هذه الوصية، سوف لن تشقى في الحياة، وبعد الممات، فيها عتقك من النار، ولا أعذار في ترك هذا الواجب، إذا لم تجد ما يكفي من الماء، فتيمم بالصعيد، أشار " هوميي" برأسه بالموافقة، وهو أسعد ما يكون، لماذا؟ لأنه عاقد العزم من الآن، على أن يخالفه في تنفيذ هذه الوصية بالذات، انتقاما منه، وبينما أبوه كان يتمنى أن يسمع على لسانه نعم وحاضر، مع أنه، يدري أن تلك الكلمة، لن تخرج من جوفه بسهولة، إلا بعد فترة ليست قليلة، وكان خائفا أن يرجع إليه لنطقها أمامه، ولكن هذه المرة لا مجال، لأن القافلة بدأت تتحرك بعد صفارة المفتش.

تمت كل الترتيبات، والتفت البعض من هؤلاء الذين يرتبط مسار الحياة لديهم، بالتنجيم وقراءة الفأل إلى شيخ "علاويس"، الذي كان يدرك أنهم سوف يرجعون إليه، ولمجرد النظرات منهم، قال: أرقام لا تعجبني، 23 ولد، 13 جمل، 3 حمير، لأنها في حساب "الرمل"، كيف ما قلبتها تولد الأرقام من نفس الجنس. النتيجة، لن ينجح منهم أحد، وكل منهم سوف يرجع إلى هذه القرية، كما تبعثونه الآن، جحوش أبناء الحمير، عجول أبناء الثيران، وسمع من كل زاوية، فأل الله ولا فألك، يا شيخ "علاويس"، عبارات أضافت على الجو المتأزم الفكاهة والمرح.

تركت القافلة ووراءها الجمع الغفير، وبدأت تبتعد شيئا فشيئا، حتى عبرت الوادي بالطول والعرض، واختفت خلف مرتفع الجير، عند كهف الشياطين، وتجاوزت واحة الغزلان، ونزلت إلى سهل الأرانب، وعند بقعة منه، وقف "ليلو" رئيس القافلة الصارم، ذو الوجه القاسي، والخبير في الطريق الصحراوي، وهو الذي لم يمتهن مهنة، غير مهنة السفر، ينقل الناس، والبضائع والرسائل والأخبار، وتهريب السلاح وإخفاء المطلوبين للعدالة والثأر. طريقة معيشية ورثها أب عن جد، له الخبرة العميقة في الناس والأرض، في حدود الدائرة؛ مركزها القرية، وقطرها مائة ميل، إلى الشمال والجنوب والشرق والغرب، وهو العليم في منحنيات الطريق، الماسك بالإبرة والخيط في هذه السفرة، كل شيء بيده، أما البقية من الرجال، فيأتمرون بأمره، لأنهم يستلمون الأجرة منه مقابل الأتعاب، لا يحق لأحد منهم أن يتفوه بربع كلمة، الخير أو الشر، وهو الذي يحدد أين تحل القافلة، وفي أي واد وجبل، وتحت أية شجرة. وعندما اعتقد أنه قد بعد المسافة المعقولة، طلب الوقوف وأمر الجميع بالاستماع إليه، قائلا: يا أولاد، لا يحق لأحد منكم، أن يطلب الماء، أو قضاء حاجة، ولا أريد أن أسمع الشكاوى أو الثرثرة، والكلام الزائد عن الحد، ومن لا يطع أمري، أتله من على ظهر الدابة، وأرفسه على الظهر وأدوسه على البطن، وأجعله يقطع مسافة الرحلة مشيا على الأقدام، وإذا تعب وهون، أدفنه حيا في هذا التراب وأبصق عليه، انظروا إلى هذه القبور، على طرفي الطريق، كم هي كثيرة. وهي لمن أخفق في الالتزام بتقاليد وقواعد السفر، وهذا الطريق مليء بالعقارب والأفاعي السامة، اللدغة  لن تمهل أحدكم للبقاء على قيد الحياة.

بعث ذلك الرعب في قلوب الأولاد، وليتأكد بنفسه، بدأ "ليلو" النظر في الوجوه، واحدا تلو الآخر، حتى جاء دور "هوميي" يجلس القرفصاء فوق الحمار، وصاح به، انزل رجليك يا ولد،  يا..، ...، وامتط الحمار، كما هي العادة، ولكنه ظل غارقا في الجمود والصمود، كما لو أنه لا يسمع ما يلقى عليه من الكلام القاسي، وما كان من "ليلو"، إلا انطلق إليه بأقصى ما يستطيع من السرعة، حتى أصبح أمامه مباشرة، العين بالعين، والبؤبؤ بالبؤبؤ، تحدي استمر لهنيهة، وعندما شعر كما لو أنه ينظر في عين ميت، أشاح بوجهه، مدركا بخبرته، إن هذا الولد إما معتوه، أو يتحلى بالقدر الكبير من الجرأة، ومع ذلك، قرر أن ينزل عليه العقاب، وجده الأسلوب الوحيد، لتخويف بقية الأولاد، وإلا سوف يواجه متاعب جمة مع العدد الكبير من هؤلاء العفاريت، وهو الذي قبل مقاولة النقل هذه، بعدما حفظ سيرة كل واحد منهم عن ظهر قلب، وما كان منه إلا أن جذبه من على ظهر الحمار، متلفظا بألفاظ نابية: يا .....،...، أنت لا تستحق حتى أن تركب ظهر الحمار، ولم يرد عليه " هوميي"، بل طاوعه في رغباته، وبدأ يمشي بهدوء.

سارت القافلة في تلك الليلة، وقبل أن يختفي القمر من الأفق، أناخ "ليلو" الجمال، وأشرف بنفسه على وجبة العشاء، وبعدما تمت كل الأمور، أمر الأولاد بالرقاد، وكان هو آخر النائمين، حتى استغرق في أحلام مزعجة، وعند الاستيقاظ في الفجر، صلى الركعتين على عجل، وبدأ يتفقد الأولاد، وصدم بغياب "هوميي"، أعتقد في البداية، ربما أنه ذهب لقضاء حاجة، وعندما خابت ظنونه، وبدأ يطفق باحثا عنه بين الشجر والحجر.

عند اليأس من البحث، أمر مساعديه بتجهيز القافلة، واختار أحد جماله السريعة، وقفز على ظهره، وهرول باتجاه القرية، وتمكن من القبض عليه عند تخومها، نزل عليه بالشتم أولا وبالصفع ثانيا، حمله على ظهر الجمل، ورجع به إلى مكان القافلة، وجدها قد تجهزت، وفي الليلة التالية، نام "ليلو" بعدما ربطه حتى لا يعيد الكرة بعدما قطعت القافلة نصف المسافة.

لم تمر فترة السفر دون مفاجآت، وحصل العدد الكبير من الأولاد العقاب الجسدي بالضرب، أو النفسي بالشتائم والتوبيخ، إلا " هوميي"، حيث اكتفى "ليلو"، بمعاقبته بالمشي على الأقدام، وكان من بينهم من أصيب بالتشلخ في الأفخاذ، واللدغات من العقارب، والتشقق في الأقدام، بالإضافة إلى الإسهال والدرجات الخفيفة من التسمم، تلك مشكلات تجاوزها رئيس القافلة، بالخبرة والدراية، وبفضل الصرامة والقسوة التي تحلى بها، بلغ بالجميع أحياء في اليوم الرابع إلى إحدى القرى الساحلية الوديعة. ترقد على رأس الأرض، والبحر يغسل لها الأقدام، عند الشواطئ الفضية، من ثلاثة اتجاهات، وبمجرد الوصول أناخ رئيس القافلة الجمال، وأمر الأولاد بأن يتعرف كل منهم على أغراضه، ثم قسمهم إلى خمس فرق، يقودهم مجموعة بعد مجموعة، بين أزقة القرية، ويسلم كل ولد إلى أقاربه، للمكوث عندهم حتى حلول وقت الرحلة الثانية، بينما سلم "هوميي" إلى مفتش القرية، مع التحذير بأن يجعل هذا الولد، تحت المراقبة، ولا يتركه أن يغيب من تحت بصره لحظة واحدة، حتى وهو فوق السفينة، أما "ليلو" فقد دلف راجعا إلى القرية، ليقبض بقية الأجرة.

يتبع Sagga74@hotmail.com

محمد عثمان حمد
 

 
 
 

The views expressed in articles published on Arkokabay.com are those of the authors alone. They do not necessarily represent the views or opinions of Arakokabay.com or its Editorial Board

 

ما ينشر من مقالات في موقع عركوكباي.كوم  يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع والقائمين عليه.

Send mail to Arkokabay  with questions, comments, opinions and/or articles

2007-02-12 23:25 :Copyright © 2005 Last modified