أبا خمسة.. أبا عشرة
وعشقهما لعشاق النضال
 

ثلاثة وأربعون عاما على ذكرى ميلاد تقوربا المجيدة، حاضنة الرجال، واليد القابضة على الزناد، وما كان سر ذلك  إلاّ في وحدة القلوب، وعلو الهمة لمواجهة العدو الجبان. هذه الكلمات التي تقف عاجزة بإعطاء صورة

 أكثر دقةً، وأجمل بياناً، وددّت أن أستعيد بها هذه الذكرى العطرة، وأتأمل مع القارئ الكريم فصولها الجميلة. وقبل البدء ألتمس العذر أولاً من القراء الكرام لتأخير موعد هذا المقال، فمنذ بداية شهر مارس الجاري كنت حقيقةً أهمهم بكلمات تقورباوية ولكن للأسف الشديد تزامنت هذه الهمهمات مع رياح موسم العام الدراسي الجديد من ناحية وامتلاء صندوق الحياة اليومي من ناحية أخرى، مما جعل الأمر مرفوفا إلي أن يشاء القدر بالبت فيه.

الآن دعونا نعرّج إلي سماء أبو خمسة .. أبو عشرة وعشقهما لعشاق النضال .. الثوار الأحرار، جيش التحرير المغوار. نعم إنها تقوربا .. 15/مارس/ 1964 على نحو ثلاث سنوات منذ فجر الشرارة الأولى، وانطلاق الكفاح المسلح بقيادة البطل الشهيد حامد إدريس عواتي. ودونما موعد يذكر، وبينما كانت تتمركز إحدى الفصائل الإرترية بمنطقة تقوربا بقيادة البطل محمد علي إدريس (أبورجيلة)، أطال الله في عمره وأعطاه الصحة، ورفقاء دربه الأبطال، طيّب الله ثرى من قضى نحبه، وأطال عمر من ينتظر، كالسيد عبدالله إدريس,,  والسيد بهدوراي,, والسيد دوحين,, إن لم تخني الذاكرة, وآخرين لم يسع المجال لذكر أسمائهم وهم بقامة هؤلاء, باغت العدو المدجج بالأسلحة المتطورة، والوسائل المتوفرة حينها، تلك الفئة القليلة في العدة والعتاد، المؤمنة بربها، وهي لم تجهل شرعية قضيتها، وقدسية تربتها، فأبلى رجالها بلاءاً حسناً .. تمترسوا فكان اللقاء، وصمدوا وكان السناء، وانسحبوا وكان الدهاء.

 وكما زيّن الصمود أرض الوطن، زيّن الانسحاب أيضاً وجوه الفوارس الذين مهروا الوطن بدمائهم الطاهرة. وكما قال الشاعر أحمد شوقي

 

بـلاد مـات فـتـيـتهـا لـتـحـيـا 
  ***
   وزالـوا دون قـومـهـم لـيـبـقـوا

نعم .. ما عاش هؤلاء في أبراج عاجية كما نفعل اليوم، بل ذهبوا من أجل أن نبقى وتبقى إرتريا حرة مستقلة. وحقاً لقد تجسّدت هذه الصورة عندما

جاء مايو يحمل الدفيء
يعيد البهجة فينا
تعانقنا .. تضافرنا
نسينا جرح ماضينا
حيث صرخت إرتريا
بأعلى صوتها
أنظروا .. كيف يحيا العدل بأمر القدر
وترقص أشرعة الطرب في عرض البحر
ويخرج أدال من كبد السماء كضوء القمر
 

 نعم .. إنها تقوربا .. نداء الحق في وجه الباطل، وما كان التمثيل بأرواح الأبطال في بعض المدن الإرترية إلاّ منارةً اهتدت إليها قلوب الرجال .. عشّاق النضال .. إلي اللحاق بركب الثورة المجيدة، وتبنّي مشروعها الوطني لتحرير التراب الإرتري من دنس أقدام العدو الجبان.

أن هذه اللوحة الرائعة التي أمامنا، إنها مرآة تعكس لنا الدروس والعبر عن العلوم السياسية والعسكرية معاً. لم يتخرج أولئك الأشاوس من كليات كورية كانت أم كوبية أو إن شئت قل روسية، بل من الكلية الواقعية,, علمان فقط لا غير- علم البيئة وعلم النفس,, وبهما استطاعوا تسجيل تاريخهم بماء الذهب.

ونحن إذ نحتفل بهذه الذكرى بعد أكثر من أربع عقود من الزمان، لا يفوتنا إلاّ وأن نقف وقفة تأمل على شقوق وتصدع جدار الوطن من جرّاء السياسات الفردية العنصرية العدوانية. هذه الصفات الذميمة مجتمعة، رأيناها كيف اغتالت ثمرة النضال من أول وهلة عندما تبوأت "هقدف" مقعد السلطة! وهذا الأمر لا أظنه يخفى على أحد إلاّ أولئك الذين يصفقون إلي كلِّ أفّاك فوق جماجم الشعب يمشي! فهناك طفل لا يدري متى وأين كان مسقط رأسه وهو يعيش في القرن الواحد والعشرين؟! وفتاة .. فقدت أعزّ ما تملك، وتاهت في دروب اللجوء! وفتى رأى في عذاب المهجر، جنة الدنيا من جحيم الوطن! وطلاق .. مستفحل كجراد موسم الحصاد يمطر سماء البلاد! ورجل هرم .. تبيد سموم اللصوص ما تبقى من جسمه المترهل!

 ووسط هذه الأمواج المتلاطمة، يأمل هذا الشعب المخلص أن يلتقطه حوت سيدنا يونس ليأمن في بطنه .. ويمتنع عن الصراخ، وينسى طعم ومرارة الانتصار على أقل تقدير.

ولذلك حري بنا أن نلتفت إلي حدائق أهل الساسة، وما أدراك ما الساسة؟ وهنا نقصد كفة المعارضة,, ما فيها, وما بها, وما لها, وما عليها؟ كلها أسئلة يشيب لها الولدان من تعرجات سبل الإجابة عليها. وفي تقديري أن المساحة السياسية قد امتلأت حديثاً بما يكفي أفقياً ورأسياً، ولم يقصر أهل الشأن "الإخوة الأفاضل" بمختلف ألوانهم في هذا المجال، ولكن هل من مدكر؟! وما أستطيع قوله أدعو كغيري أهل الحل والعقد إلى ترجمة المتفق عليه من ميثاق الحد الأدنى الذي دنا بنا إلي حيث آمال تخيب، وأمنيات تغيب، إلي أرض الواقع، وتنصيص الغير منصوص في كتاب التعليل، وتفصيل الذي ينقصه التفصيل، ويقبله التأويل. وقد أشرنا في مقال سابق قبل انعقاد المؤتمر من باب "المشاركة بالرأي" عن المأمول والمذموم من لقاء الهضبة، ولكن هل من مدكر؟!

وهنا أود أن أهدي القارئ الكريم هذه الكلمات التي هي صدى لإفرازات المناخ السياسي الذي أطلّ علينا في أواخر فبراير الماضي من فوق الهضبة الإثيوبية. وكما قالوا,, "رئاسة أنجبت الانسحابات ثم التبريرات ثم التفسيرات وأخيراً الطلاق"! ويا ليت قومي يتبصرون، ويفقهون آية تقوربا ولا يتناطحون، فوجه الشعب أعماه الجنون.

 

كنت بالأمس أشدو .. أتغنى بفجر جديد
وأراني اليوم تعيساً..فآبائي حقائبهم صديد
شرّقوني .. غرّبوني..وما بهما أفرح كل عيد
تناديني أنتِ..وما المنادَى من المنادِي بعيد

 بقلم / ود سعيداي
saeedai@maktoob.com

 

 

 

ما ينشر من مقالات في موقع عركوكباي.كوم  يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع والقائمين عليه  

The views expressed in articles published on Arkokabay.com are those of the authors alone. They do not necessarily represent the views or opinions of Arakokabay.com or its Editorial Board

Send mail to Arkokabay  with questions, comments, opinions and/or articles

2007-03-31 23:15 :Copyright © 2005 Last modified