التسول على موائد اللئام

المعروف عن بعض الهنود أنهم لا يأكلون اللحوم. سألت عن هذا الأمر، تلك المرأة الهندية، كنت أجدها تقف على رصيف الشارع، ملفوفة بعناية بثوب الساري يحتويها من قمة رأسها إلى أخمص قدميها، وعندما تلوح لي بيدها، مع "هاي" عثمان، بدلا من محمد، كثيرا ما كنت أقول لها عثمان أبي وأنا محمد، لكن من دون فائدة.

 الهندوس لا ينطقون هذا الاسم، ومع ذلك، كنت أقف لها هاشا باشا، فاعرض عليها "توصيلة" بنفس طيبة تنضح بالوفاء، بسبب أنها كانت مدرستي في سالف الأيام، ولأن وجهتها من وجهتي، وفوق ذلك كله، ربما كنت مدفوعا من لاشعور كان يجبرني على الاستجابة الفورية للوقوف لأن لفة "الساري"، ليست أقل في الإغراء من لفة العبي على الظهور العالية والأرداف المدورة.

وكانت تمتنع شاكرة، وذلك لأن زوجها الهرم على وشك الوصول بسيارته، يتهادى بها على مهل، وكان يتركها دائما تقف هكذا، بينما هي إن رغبت في الركوب فكانت تعتب من فوق الرصيف، ببضع خطوات منتظمة، فتزحزح ثوبها بلطف وتأن من متفرق فخذيها المستريحين خلف "البنجابي" المنسوج من الحرير الخالص المطعم بلؤلؤ يأخذ الألباب، فأغض بصري، مشيحا به إلى الجهة البعيدة، منصتا فقط، إلى شحشحة الأسوار حول الذراعين وارتطام الخلاخل في الكاحلين، مع أن تأثيرهما ليس أدنى خطورة على النفس الأمارة بالسوء، كنت ألجمها لجما حتى لا تفلت من عقالها، وتعيث فسادا، فتتقهقر بي إلى أيام الشباب وطيشها.

وفي كل مرة كنت اصطحبها، لم أكن أجد الفرصة لإلقاء ذلك السؤال، لأنها وبمجرد أن تصل بعجيزتها الهائلة إلى المقعد، فيعوي بالصرير الحاد وينوح بالطقطقات العنيفة، وهو يكاد يبلغ الانهيار التام تحت ثقلها الزائد، ومع ذلك أجده وقد تلقفها وحملها حملا، غير فلتات تطفح على الأطراف، ومع ذلك تستقر عليه وتذهب في الإغفاء، ثم في سبات عميق.

ولأنها أستاذة في الجامعة، تعمل من الساعة الثامنة صباحا حتى الساعة السادسة مساء، ولأنها امرأة جادة ومخلصة، تبذل الكثير من الجهد في مد عقول الطلبة بالمعلومات، فإنني كنت أتركها وشأنها وكأنها غير موجودة، لأن للنوم سلطانا ما بعده سلطان، فأمد يدي إلى زر المذياع، فأجعله إما يلعلع أو يزمجر لأبدد وحشة الطريق، وعند أسفل العمارة، أقرص عليه ليولول أكثر إيذانا بسلامة الوصول.

وفي توصيلة من تلك التوصيلات كانت معلمتي على غير عادتها يقظة ونشطة، وبدأت تشتكى لي من غباء الطلبة، الذي سبب لها رفعا في الضغط، تشم أثره برائحة الدم الطازج، وحتى انها في ذلك اليوم بالذات، قد أبدت لي تخوفها على صحتها، بعد أفول الشباب وحلول سن اليأس ذلك الغول، يقلب مزاجها الأنثوي بين فكي السعادة الزائفة واليأس الراسخ، وأسوأ من ذلك كله، آخر الفحوصات المعملية أنبأتها عن وجود زيادة في نسبة الكولسترول ومن حديثها ذاك، توافرت أمامي الفرصة التي كنت انتطرها، فقلت: مع انكم، انتم الهنود، نباتيون ولا تأكلون اللحوم. فانتهزتها فرص وألقت علي محاضرة  كاملة عن التمثيل الغذائي في الأنسجة والخلايا وأنويتها، وخاصية كل حمض من الأحماض الأمينية والدهنية، وكيف يتحول النشا إلى البروتين، والبروتين إلى النشا، والشرح المفصل عن الآليات الحيوية المعقدة، بل قالت كما كانت تقول وأنا طالب عندها: إن نهاية المركب الفلاني تحب نهاية المركب العلاني، وكيف تحدث التفاعلات الكيميائية، وتتكون المركبات الجديدة، ما يؤدي إلى تشكيل مركبات أخرى أكثر تعقيدا وأكثر في الأهمية من الناحية الغذائية، ثم دلفت إلى الشرح عن مصادر هذه المركبات من أنواع الغذاء...، إلخ إلخ، حتى ضاع سؤالي في خضم ذلك الشرح المطنب.

الحقيقة، إن المعروف عن الهنود، أنهم أناس متحضرون وطيبون، فهم يبدون الاحترام الزائد عن الحد إلى الذين أمامهم، لأنهم يعملون ألف حساب وحساب لشعور الآخرين، لذلك لجأت معلمتي إلى هذا الأسلوب الملتوي، بدلا من أن تدفع سؤالي بسؤال آخر بسيط فحواه: ما علاقة  أكل اللحوم بزيادة الكولسترول، لأن تلك معلومة قديمة، عفى عليها الزمن، لأنها لم تعد فيها المصداقية المطلقة، كما كان يعتقد، لماذا؟، لأن في العلم خرافات أكثر من التراث الشعبي نفسه.

فالحق يقال، شعرت بحرج شديد، ولحفظ ماء وجهي، فإنني لم أجد المفر من القول: قصدت إن فرصة الزيادة في نسبة الكولسترول، ربما أكثر في آكلي اللحوم من آكلي النباتات، و حجر الزاوية في ذلك كله القابلية الوراثية.

فقالت: الآن قد حصحص الحق، لأن هذا هو الكلام الصحيح، لأن ذلك كله مرتبط بالوراثة، وهنا تدحرجت أمامي الفرصة الأكيدة لإلقاء السؤال مرة أخرى، قائلا: لماذا بعض الهنود لا يأكلون اللحوم، أقصد من الناحية الدينية؟، فما صدقت، صالت وجالت في تخوم الفلسفات والديانات الشرقية، فتركتها تقول وتقول، حتى انتهت إلى خلاصة مفادها: إن بعض الهنود لا يأكلون اللحوم، لأنهم يعتقدون إن تناولها يزيد عندهم من حدة العدوانية، وربما المنشأ في هذا الاعتقاد، نتج عن النظر إلى السلوك الغذائي للحيوانات المتوحشة، لأن آكلات اللحوم أكثر عدوانية من آكلات النبات، حيث يعتقدون إن عدم تناولهم للحوم يساعدهم على برودة الأعصاب وتهذيب النفوس، لأن الغضب يخلخل مسار التفكير، عندما تنشأ في الدماغ الفراغات السحيقة، التي تعيق اتصال الرسائل بعضها البعض، فتجعل الإنسان أقل قدرة على التصرف الصحيح.

قلت: والله فكرة، فوصلنا أسفل العمارة، فبدأت أهش وأبش مشيعا معلمتي بكثير من الإعجاب والإطراء، وكعادتها في كل مرة، التفتت إلى الخلف، فقالت: أرجوك تعال وتفضل، لأن زوجي موجود، اشرب عندنا شايا بالحليب، لا يفوتك، شاي مخصوص وثقيل، جلبته من الهند، فاعتذرت ثم شكرتها.

دفعني الحديث السابق مع معلمتي، إلى النظر في السلوك الحيوانات في التغذية، من زاوية وأخرى، حيث خلق الله سبحانه وتعالى الكائنات على أنواع وأشكال وطبائع شتى، الأولى إلى آكلات العشب المسالمة، والثانية إلى آكلات اللحوم العدوانية، أما الثالثة فكانت إلى التي تخلط بين النوعين من الغذاء، ومن بينها ما هي عزيزة النفس لا تتغذى إلا على الغذاء الطازج النظيف، فتأخذه من الأماكن المرتفعة في قمم النباتات والجبال، هي بذلك تجازف بحياتها من دون تردد أو وجل، وأخرى ضعيفة كسولة تتلقف ما يتساقط، فتملأ بطونها بالجيف والتوالف والقاذورات، ومنها ما يكابد ويجاهد الكثير من الوقت والطاقات في البحث عن الغذاء الفاسد النتن، بالرغم من إن الغذاء النظيف الطازج أقرب إليها سبيلا.

على النحو نفسه، يوجد في البشر من هم ذوو النفوس الأبية يتطلعون إلى نيل الريادة والمعالي، وآخرون ذوو نفوس دنيئة لا يسعدون إلا إذا وجدوا أنفسهم مطايا مكرسة طوعا أو كرها، حيث لا يوجد عندهم الطموح، ولا تتوافر عندهم الهمة، فيغرقون في الإذعان الذي يأسرهم كالأغلال، أثره أقسى من أثر الحديد الفولاذ، بل هم يجفلون من كل فرصة لتحرر وانعتاق، فيستميتون للبقاء،  في حماية الآخرين، وفي ذلك كله يلعب التعود الدور الرئيسي في حياة الإنسان.  

ينقل صاحب نهاية التاريخ، من "هيجل"، الفكرة التي تقول: نشأت ظاهرة أن ينقسم البشر إلى الأسياد والعبيد، في يوم من الأيام البعيدة، عندما خرجت مجموعة من الرجال للصيد في الخلاء، من بينهم من كان له الاستعداد التام للموت وآخر آثار السلامة، فسيطر الأول على الثاني، ومنها بدأت العبودية، فأصبحت السيادة عادة لفئة من الناس، والعبودية والخنوع عادة للآخرين، وفيما يلي، أيها القارىء الكريم، الأمثلة التالية، التي تعكس ما للتعود من تأثير خطير في حياة الأفراد والشعوب.

المثال الأول: واجه القس مارتين لوثر كينج، وقبله بعض المحررين المغمورين من السود، تلك المشاكل العويصة المعروفة والمسجلة في التاريخ، التي تمثلت في رفض السود التحرر من قبضة الأسياد البيض، بعد التعود والتآلف الطويل مع حياة العبودية البغيضة، حتى ظهرت تلك المرأة  السوداء، من عامة السود، لا  أحد يعرف الآن، فيما إذا كانت قد سمعت عن حكايات المحررين السود، ولا خطابات القس مارتين لوثر كينج الحماسية، ولكن المعروف والموثق انها في احدى الأيام تصرفت بطريقة مختلفة شاذة، عندما صعدت على حافلة عامة، وجلست على مقاعد البيض المريحة، في الجزء الأمامي من الحافلة، وعندما استهجن تصرفها، رفضت الاذعان بإصرار، بل تمسكت بحقها في الجلوس حيثما أرادت، وكانت تلك نقطة التحول، أو الشرارة التي أشعلت ثورة العبيد الشاملة والظافرة، حتى انتهى العصيان المبارك والمشروع بتثبت حقوقهم في الدستور الفيدرالي، بعد تضحيات جسام، ومآسي وويلات. وهل يمكن الحصول على الحلوى من دون النار، وهنا يبرز دور الفرد، فيمكن لواحد أو واحدة منا، أن يقوم أو تقوم بعمل مختلف، وبذلك يكون أو تكون سببا في تغيير مسار التعود الذي نغرق فيه.   

 المثال الثاني: واجه المحرر "مهاتما غاندي" المشكلة نفسها مع الهنود فعندما ظهر فيهم وجدهم قد تآلفوا مع حياة الذل،  بعد 200 سنة من الاستعمار، فتفسخت هممهم، وانطمست رغباتهم في التحرر والانعتاق، ولكنه لم يستسلم بل فكر وأستوعب إنه من الصعوبة بمكان استنهاض الهنود المسالمين للقيام بالمقاومة والعصيان ومواجهة العنف بالعنف، فهم الذين يهزون برؤؤسهم قائلين: أشا أشا، نعم أو حاضر، المهم ظهور الإذعان.

مهاتما غاندي، ولأنه ثوري وفق ذلك مفكر عظيم وخطير، فإنه لجأ إلى طريقة تناسب نفسياتهم وإمكانياتهم، فأقترح عليهم المقاومة السلبية، تمثلت في عدم التعاون مع المستعمر، وذلك أضعف الإيمان، فنجحت الفكرة وتحرر الهنود، على الرغم من أن أجداد الهنود الحاليين، هم الذين هزموا الإسكندر الأكبر المقدوني في ذلك الزمن البعيد، عندما غزت جيوشه الجرارة المساحة التي تمتد عليها الآن أربع دول هي: العراق وإيران وأفغانستان وباكستان، وباجتياحه الأجزاء الشمالية من الهند، وهو في طريقه إلى المياه الدافئة، فلم يقل أجداد الهنود الحاليين  له ولجيشه "أشا أشا"، بل قالوا قف، لن تصل إلى المياه الدافئة إلا على جثثنا. والنتيجة، أن مني ذلك القائد العظيم بأولى هزائمه في تاريخه الحربي كله، فخارت همم فرسانه بعد هزيمة وهزيمة، واختلفوا ثم ثاروا عليه، فأذعن ورجع أدراجا من حيث أتى. وفي هذا تبدو أهمية وجود قائد يستوعب نفسيات من يقودهم، ليوجه طاقاتهم إلى ما يخدم تحررهم من العبودية.

المثال الثالث: الرجل والعلة، فهي قصة واقعية معاصرة، وقعت في بلد يجاور بلدنا الحبيب إرتريا، سردت أمامي، لمجرد أنها غريبة وعجيبة، فقد فهمتها بطريقة مختلفة، تخدم في شرح تأثير التعود، وذلك أوردها هنا.

تقول القصة: انه كان هناك رجل، عمل في وظيفة حكومية، ثم أحيل إلى التقاعد الإجباري، فلم يعجبه ذلك، فنظر إلى جسمه ونفسه فوجدهما يفوران بالهمة والصحة، فبعث ذلك فيه مزيدا من الطموح، فبحث عن عمل آخر، فوجد وظيفة حارس ليلي، ولكن قبل أن يمر عليه الحول وقع فريسة لمرض غامض، ففصل من العمل، بل وأصبح طريح الفراش، فبدأ يراجع العيادات والمستشفيات في بلده وخارج بلده، وكل مكان راجعه وزاره باحثا عن التشخيص والعلاج  أثارت حالته عند الأطباء الحيرة والاستغراب، وذلك لعجزهم عن تشخيص المرض، ناهيك عن علاجه، حيث وجدوا أعضاءه الداخلية، وما حولها من أنسجة العضلات والأعصاب، جميعها تعمل بصورة معقولة، فبحثوا في مخلفاته من البول والبراز، بل أجريت على دمه الفحوصات الدقيقة، دون الوصول إلى سبب العلة، بينما هو كان يظهر عليه الهزال التام، لا يأكل ولا ينام، بينما كان بدنه ينكمش يوما بعد يوم، فما بقى منه إلا الهيكل العظمي عليه الجلد المكرمش، ينثني وينطوي في كل عطفة من جسمه المتهالك.

وفي يوم من الأيام سأله أحد الأطباء الأذكياء، هذا السؤال: بماذا كنت تعمل قبل مرضك هذا؟، وذلك عندما كان المريض يراجع آخر مراجعة له، وعازما في نفسه على اللجوء إلى السحرة والمشعوذين كآخر وسيلة، وكان ذلك بعدما بلغت حالته إلى حد الاحتضار والتوديع. 

فأجاب المريض: عملت حارسا على محطة صرف صحي، بها بعض المضخات كنت أحرسها من السرقة وعبث العابثين، وكنت أعيش في ذلك الكوخ القذر، فلا أبارحه ليلا ولا نهارا، لمدة 25 سنة، ثم أحلت إلى التقاعد الإجباري فوجدت في نفسي البقية الباقية من الصحة، فبحثت عن عمل وعملت حارسا ليليا، وبعد أربعة أشهر أصبت بهذا المرض.

العلاج،  قال الطبيب: سيتم شفاؤك بإذن الله الواحد الأحد، إذا عدت إلى عملك السابق عند تلك المضخات، وأنا سوف أكتب لك كتابا بذلك موجها مني شخصيا إلى رئيس البلدية، وموقعا عليه من مدير هذا المستشفى، فأعيد الرجل إلى عمله السابق وعادت إليه عافيته دون تدخل من دواء الأطباء.

السؤال هو: ماذا حدث لذاك الرجل المسكين المبتلي؟ أكيد سوف تتوارد التوقعات المتنوعة بعيدا عن الحقيقة، أو على هامشها، على سبيل المثال لا الحصر بكل ما يمكن أن يقال، حيث يقول أول المتحدثين: عاش الرجل في تلك البقعة النجسة المرتعة بالجن، حيث عاش رفيقا متوافقا مع تلك المخلوقات الغامضة، فغادر المكان من دون الوداع، فأغاظهم ذلك فبطشوا به، ويقول الثاني: يا سادة، لا أرى، الصحة فيما تقولون، إنني اعتقد بل أجزم أن الرجل مسحور، وسحره مقبور في أساس ذلك الكوخ، أو في قيعان تلك المضخات، وهو كان مأسورا بتأثير السحر الأسود، وعندما غادر انتكس. ويقول ثالث: ما تلك إلا خزعبلات، إن الرجل مسحور من الطبيب المعالج، سحر الرجل وأعاده إلى تلك البقعة وإذا سألته وما الهدف من ذلك؟ يمكن أن يقول لك لا أدري وهذا ما نضحت به قريحتي والسلام.

أما  الرابع، فيقول: عاش الرجل في مكان مليء بالميكروبات والغازات الملوثة، فتآلف جسمه مع مخرجات تلك البيئة القذرة،ثم انتقل إلى مكان أنظف احتاج جسمه إلى تلك الملوثات فانهارت صحته دفعة واحدة. ربما هذا هو التفسير الأقرب إلى الحقيقة الغائبة، الله هو العالم بسره.

إذن، أقول: إن مشكلتنا الرئيسية هي التعود. التعود على أن نكون تابعين، لا متبوعين. إذا قيل لنا شمال، قلنا حاضر شمال، وإذا قيل لنا يمين قلنا حاضر يمين، إذا قيل لنا ناموا على يمينكم نمنا، وإذا قيل لنا ناموا على شمالكم أطعنا.

 ربما بدأ تعودنا على استمراء الذل، منذ أيام إيطاليا، تلك الأيام البغيضة، التي كان الإيطاليون لا ينادون الإرتريين بأسمائهم، بل كانوا يطلقون عليهم مسمى "الديدان"، أو "الحشرات" أو أي مسمى حقير.

ولكن الأكيد، ترسخ تعودنا على الذل والقبول به، في أيام إثيوبيا، فتعودنا وتآلفنا على الذل، الذي يلحق هذا التأثير الخطير في حياتنا، فجعلنا ننسى أنا مخلوقات تنتمي إلى الآدميين، يحق لها نيل الكرامة والشرف، ولهذا فقد انحدرنا إلى مستوى البهائم فقبلنا القهر والظلم، كما نقبل القدر الذي لا قبل لنا بمقاومته، فاخترنا العيش في ظل الإجحاف، نعيش معه في تآلف قبيح راجين السلامة والآمان، بالرغم من أن تراثنا الشعبي المحكي يزخر بالحكايات والقصص عن بطولات أجدادنا، حيث قيل لنا انه كان من بينهم من قذف بالرمح فأستبطأه، فانطلق فنحر غريمه قبل وصول الرمح، هل هذا معقول؟ نعم معقول بمقياس الخرافة. فهي حقا حكايات مسلية، ولكنها لم تعد كذلك، لأن أقل القليل منها لم يظهر على أي من الأحفاد.

آمنا بالله، إننا مخلوقات متعودة على الذل، ولكن ما يحيرنا أكثر، هو عدم ظهور زعيم يستوعب نفسياتنا وإمكانياتنا ليوجه طاقاتنا نحو الهدف الذي يخدم مصالحنا العليا لأننا نحن على الدوام قانعون، فلا نرتاح ولا نشعر بالسعادة إلا إذا وجدنا أنفسنا منقادين من الآخرين، لأن طموحاتنا وهممنا قد خمدت وتفسخت واضمحلت إلى الحد الذي أصبحت التبعية من عاداتنا الدائمة، ولذلك لا نجد الغضاضة في التقاط ما يرمى علينا من البواقي.

يقول ابن خلدون، الآتي أشبه بالماضي من القطرة بالقطرة، وإن ما رأيناه في مؤتمر أديس أبابا الأخير، لم يكن إلا ماض يكرر نفسه في الحاضر، حيث رأينا المحاولة الأولى، الاستيلاء على التحالف بالدفع بالممسوخين التابعين ليسهل إقصاؤهم فيما بعد، ولكن ولله الحمد فشلت المحاولة، واندحر الممسخون ومن خلفهم الحاقدون المتعصبون.

حتى لا نرى هذه المهزلة، كانت تلك الدعوات بأخذ الحذر والحيطة من هؤلاء الساقطين، لأنهم لا ينسلخون ولا يهربون إلى أقاصي الأرض، إلا خوفا من التجميد والعقاب والسجن، ومع ذلك استقبلوا بالتهليل والتصفيق كالأبطال الفاتحين، حيث ذهبت تلك الدعوات أدراج الرياح، وانشغل الناس بهم وبسخافاتهم وتفاهاتهم، ثم كان ذلك النفخ  في الأوهام إلى حد الذروة والخوض في  التأملات حول ما سوف يفعلونه، فلقبوا بالقيادات الخطيرة، وتغزلوا بما في حوزتهم من معلومات مهمة سوف تزلزل أركان النظام، لأنهم سوف يكشفون الكثير والكثير من الأوراق الصفراء والحمراء والسوداء، وأن ذلك سوف يعزز عمل التحالف، بل اعتبر البعض إن مجرد الانسلاخ هؤلاء عن النظام هو الإنجاز بعينه بل المكسب الكبير الذي ما بعده مكسب الذي سوف يضاف إلى أعمال المعارضة، لأن خروجهم من جلد النظام الأجرب، المسكون بكل العفاريت الزرق، سوف يزعزع أركانه، ولذلك كان ذلك التفاؤل الكاذب، الذي دفع بالناس إلى القول بأن أيام النظام في السلطة معدودة، وبعثت تلك الأوهام في نفوس الهاربين الحياة، فنظروا إلى قوى المعارضة، فوجدوا في القائمين عليها الغباء السياسي، وعدم الاستفادة من الخبرات السابقة، فذهلوا من ذلك أيما الذهول، فجزلت أنفسهم وطربت مشاعرهم، بما رأوه من التخبط والتشرذم، فصدقوا الأوهام وتقمصوا الدور فانشغلوا بتأسيس التنظيمات والجبهات، بينما كان الواجب والأفضل أن تنشط وتعمل القوى الأصلية من المعارضة في تطوير وتنمية المتوافر من الإمكانيات المتواضعة، وترك تلك الزمر تتوه كيفما تشاء، حتى لو انتهت إلى الجحيم وبئس المصير، وكان الواجب استيعاب أي مسيحي يريد أن يناضل وفق برامج تلك التنظيمات، وعدم الالتفات إلى غير ذلك من الترهات.

أيضا قيل في ذلك الوقت، يا جماعة الخير، خذوا حذركم أكثر من   المسلمين الهاربين، لأنهم لا في العير ولا في النفير، ولأنهم هم الأسوأ، ولأنهم لا يفقهون شيئا، فهم "طرش في زفة"، لا يستوعبون ولا يتحسسون مغزى الأمور، غير أن يتبعوا بحركاتهم وسكناتهم الآخرين، وأما المسيحيون ومن منطلق الحرص والحذر فإنهم لن يكشفوا أمامكم الشيء المهم إلا عند التيقن من أن ما يقومون به ينصب في تعزيز مصالحهم الإستراتيجية العليا المتصلة بالسيطرة الكاملة، حرصا منهم على ألا تسقط الغنائم والأسلاب في أيدي المسلمين. أين هي تلك الغنائم وأين هي تلك الأسلاب؟

السؤال هو: ماذا فعلت تلك العناصر التي فرت بجلودها؟. لم ينضم واحد منهم إلى تنظيمات المعارضة الحقيقية التي كانت موجودة، بل أسست كل زمرة منهم تنظيما وجبهة، فدخلوا في تحالفات قبيحة قذرة، واستأنفوا التدمير المنظم لعمل المعارضة، فانشغل الجميع بعقد المؤتمرات والاجتماعات، وبدأت الاندماجات والانقسامات، حتى أصبحنا أمام هذا العدد الكبير، المنتفخ على الفاضي والمليان، كل قبيلة وعشيرة، وكل ناحية وأقليم يؤسس تنظيما أو جبهة، وبدأنا نسمع النقاشات البيزنطية حول ما يسمى بـ "الميثاق"، وفقراته البائسة والمجردة من كل فهم لطبيعة الأمور، ناهيك عن الخواء الفكري، ومع ذلك حاول واستمات طرف في تثبيت تلك الفقرات التافهات، هم المسلمون، وآخر نفى وعارض، وهم المسيحيون ومن لف لفهم من الممسخوين الذين لا تهنأ لهم الحياة إلا في ظل المسيحيين، مع انهم يحتقرونهم ويضطهدونهم، وكل ذلك "عسل على قلوبهم"، بالإضافة إلى بعض اللمم، وحدث هذا كله والجميع بعيد عن السلطة كبعد الشرق عن الغرب.

إذا أتيت بالكلام من الأخر ولخصته، فيمكن أن نقول: إن الخطأ الفادح والمتكرر الذي نرتكبه نحن المسلمين في إرتريا، أننا نسلم بحقوق المسيحيين دفعة واحدة، بينما تقتضي اللعبة السياسية الحكيمة نفي حقوقهم على المستوى نفسه من مواقفهم المعارضة لحقوقنا.

على سبيل المثال، النظر إلى موقف المسيحيين من اللغة العربية، فهي أحد المحاور الخلافية الرئيسية، إذ يعتبرون الاعتراف بها كارثة حقيقية، سوف تدفعهم إلى إعادة النظر في وجود دولة، بينما المسلم يعتنق ويتمسك، بل يعلن ببلاهة، ومن دون أن يفكر في مغزى ما يتلفظ به، من الناحية السياسية، أوافق على اللغتين، اللغة العربية و"تجرنية"، دون أن يتمعن فيما يصفها بلغة فهي لهجة بائسة تتمتع بالمستوى نفسه من التخلف الذي يلصق باللهجات الإرترية، كل منها ينافس الأخرى على السقوط في هاوية الانقراض والذي حصل في حقيقة الأمر، أنه بعدما اعترفنا لهم بهذا الحق، الذي ما كان يجب أن نتعرف به، كرسوا جهدهم على نفي حقوقنا الثقافية ولو كان العكس، لربما اختلف الوضع تماما.

الحقيقة الدامغة، ان النظام الطائفي العنصري المنبوذ لن يتخلى عن السلطة إلا إذا أخذت منه عنوة بالقوة العسكرية، ومن الغباء، بل من السخف الركون إلى الاعتقاد بأنه سوف يسقط عاجلا أو آجلا، بسبب التآكل الداخلي، بينما هو يمسك بالسلطة بالمخالب، بل بالأنياب.  

ومن هذا كله يجب أن نفكر ونميز الأمور التالية:

أولا: يعارض المسلم النظام الطائفي العنصري، فيفعل ذلك على أساس منطقي، حيث يجد نفسه وقد أقصي بطريقة وقحة من كل شيء، بينما تقوم وتنشأ معارضة المسيحي له من الخوف بسقوط النظام ووقوع السلطة في أيدي المسلمين، فهم يجدون في ذلك حلول كارثة عليهم، بينما هي غير موجودة، فهم يتخيلونها زيادة في الحرص، لأن التقليد المكرس منذ نشأة هذا الكيان الذي اسمه إرتريا، أن السلطة حق مكتسب للمسيحيين دون المسلمين.

ثانيا: إن طرحنا لقضايا ومن بينها الشريعة، هي في أفضل الأحوال لن يتجاوز تطبيقها أمورا قد درج الشعب على ممارستها لقرون متطاولة، بينما طرح تلك الأمور على طاولة مفاوضات والخوض في مساومات بشأنها، يحضرها هؤلاء الحاقدون، تصرف ينم عن غباء سياسي، وقلة حيلة، وتشتت الهدف، أو عدم وجود  هدف أصلا.

ثالثا: يقتضي الفهم السياسي الصحيح، أن نعلن عكس ما نضمر حتى نتمكن من وضع أيدينا على السلطة، ونمسكها بقوة، ثم نخرج البطاقات المخفية واحدة تلو الأخرى، حسب الظروف وأفضل سياسة هو التمسح بالوطنية، وتكرار التغني بالمشتركات في الليل والنهار، والتمسح باسم إرتريا بالقدر المستطاع، كل ما طلعت علينا الشمس، كما هم يفعلون، لأنهم يتمتعون بحس سياسي يتجاوز فهمنا، فهم لا يتحدثون عن الدين، ولكن يعلمون أولادهم الدين، لا يتحدثون عن الكنيسة، لكنهم يبنون الكنائس في كل زاوية من بلدنا. أما نحن نتحدث عن كل شيء ولا نفعل شيئا.

إذن، الصحيح والمفرض ألا نسمح بطرح موضوع "الشريعة" على طاولة المفاوضات والمساومات، فلا يجب أن يغيب عن بالنا فإنها مرفوضة رفضا تاما، حتى في المناطق التي يشكل فيها المسلمون الأغلبية، لأن تحقق ما يناسبنا منها يعد تحصيل حاصل، بشرط إذا اتقنا اللعبة السياسية، وأخفينا القضايا الحساسة المثيرة في الأدراج حتى نتمكن من بلوغ إلى السلطة، وتهيئة الظروف لوضع الدستور، ولكي يتحقق ذلك فعلى المسلمين توحيد أفكارهم وطاقتهم، فإن ذلك يجعلنا نضع أرجلنا على العتبة الأولى من السلم الذي سوف ينتهي إلى أن نكون الشركاء الحقيقيين، لا التابعين المختلفين الذين يحتمون خلف المسيحيين، متشدقين بالأفكار الكبيرة التي لا يفقهون "رأسها من ذيلها".

ولتحقيق ذلك، يجب علينا جمع كلماتنا المتفرقة في كلمة واحدة مصوبة نحو هدف واحد، ونحشد كل إمكانياتنا وطاقاتنا ضمن الإطار الواحد، لا الأطر المتعددة القبيحة، لينفرد بنا الواحد بعد الآخر.  إن المثير والمستغرب هو إننا نتخوف من طرح كل أمانينا وآمالنا في السلة الواحدة، مع أنه هو الأسلوب الوحيد الذي سوف يمكننا من بلوغ نصف المسافة التي سوف تنتهي إلى الوضع ال