النظام السياسي العراقي الجديد قراءة في نموذج الديمقراطية التوافقية
د‏. ‏وحيد‏ ‏عبد‏ ‏المجيد

السنة الرابعة عشرة - العدد 144 - أكتوبر ‏2004

مقدمة*
يرتاح‏ ‏الفكر‏ ‏العربي‏ ‏إلى‏ ‏الوحدة‏ ‏وينزعج‏ ‏من‏ ‏التنوع‏. ‏وهذا‏ ‏جزء‏ ‏من‏ ‏ميراث‏ ‏ثقافي‏ ‏طويل‏ ‏ممتد‏ ‏وثقيل‏ ‏ساهم‏ ‏فيه‏ ‏الاتجاه‏ ‏السائد‏ ‏في‏ الفكر و‏الفقه‏ ‏الإسلامي‏, ‏أو‏ بالأحرى ‏الاتجاه‏ ‏الذي‏ ‏ساد‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏قضي‏ ‏علي‏ ‏غيره‏, ‏ثم‏ ‏الاتجاه‏ ‏الذي‏ ‏ساد‏ ‏الفكر‏ ‏القومي‏ ‏العربي‏. ‏فأصبح‏ ‏التنوع‏ ‏والاختلاف‏ ‏يعبران‏ ‏عن‏ ‏انقسام‏ ‏ضار‏ ‏ومدمر‏ ‏لا‏ ‏عن‏ ‏تعدد‏ ‏مفيد‏ ‏وخلاق‏.‏
هذا‏ ‏الميراث‏ ‏هو‏ ‏الذي‏ ‏يدفع‏ إلى ‏التشبث‏ ‏بفكرة‏ ‏الدولة‏ ‏الموحدة‏ ‏حتى‏ ‏إذا‏ ‏عجزت‏ ‏عن‏ ‏أداء‏ ‏أي‏ ‏من‏ ‏وظائفها‏ ‏أو‏ ‏خنقت‏ ‏المجتمع‏ ‏وقتلت‏ ‏كل‏ ‏روح‏ ‏للإبداع‏ ‏والتقدم‏ ‏فيه‏ ‏أو‏ ‏قامت‏ ‏علي‏ ‏استبداد‏ ‏يروح‏ ‏ضحيته‏ ‏الناس‏ ‏بالآلاف‏. ‏هذا‏ ‏الميراث‏ ‏هو‏ ‏الذي‏ ‏يؤدي‏ ‏إلى‏ ‏النفور‏ ‏من‏ ‏فكرة‏ ‏الدولة‏ ‏الفيدرالية‏ ‏حتى‏ ‏إذا‏ ‏كانت‏ ‏هي‏ المخرج الوحيد من خطر التقسيم والحل الممكن ‏لمشكلات‏ ‏ظهرت‏ ‏وتنامت‏ ‏وتكرست‏ ‏نتيجة‏ ‏قهر‏ ‏الحاكم‏ ‏في‏ ‏الدولة‏ ‏الموحدة‏ ‏لأقليات‏ ‏فقدت‏ ‏الثقة‏ ‏في‏ إمكان ‏ضمان‏ ‏حقوقها‏ ‏بدون‏ ‏تمتعها‏ ‏بالحكم‏ ‏الذاتي‏ ‏الذي‏ ‏يوفره‏ ‏النظام‏ ‏الفيدرالي‏، وهو ميراث يتجاهل أن ما يقرب من نصف دول العالم تقوم على الفيدرالية ومن بينها بعض الدول الأكثر تقدما والتي كان من المستحيل الحفاظ على وحدتها بدون نظام فيدرالي.
وهذا‏ ‏الميراث‏ ‏هو‏ ‏الذي‏ ‏يقف‏ ‏وراء‏ ‏مواقف‏ ‏معظم‏ ‏الساسة‏ ‏والمثقفين‏ ‏العرب‏ ‏تجاه‏ ‏عملية‏ ‏بناء‏ ‏النظام‏ ‏السياسي‏ ‏الجديد‏ ‏في‏ ‏العراق. وهو ‏يفسر‏ ‏المعارضة‏ ‏الواسعة‏ ‏لمنهج‏ ‏الديمقراطية‏ ‏التوافقية Consociational Democracy الذي تجري علي‏ ‏أساسه‏ ‏محاولة‏ ‏بناء‏ ‏النظام‏ ‏السياسي‏ ‏العراقي‏ ‏الجديد‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏السعي‏ ‏إلى‏ ‏توافق‏ ‏علي‏ ‏تقسيم‏ ‏المناصب‏ ‏الرئيسة‏ ‏في‏ ‏قمة‏ ‏السلطة‏ ‏علي‏ ‏أساس‏ ‏يضمن‏ ‏تمثيلا‏ ‏متوازنا‏ ‏للجماعات‏ ‏الاجتماعية‏ (‏الطائفية‏ - ‏العرقية‏) ‏الرئيسة‏ ‏الثلاث‏ ‏وهي‏ ‏الشيعة‏ ‏والسنة‏ ‏العرب‏ ‏والأكراد‏, ‏مع‏ ‏ضمان‏ ‏حضور‏ ‏مناسب‏ ‏للجماعات‏ ‏الأقل‏ ‏عددا‏ ‏مثل‏ ‏التركمان‏ ‏والآشوريين‏ ‏والمسيحيين‏ ‏وغيرهم‏.
‏ ‏بدأت‏ ‏هذه‏ ‏المحاولة‏ ‏عند‏ ‏تأسيس‏ ‏مجلس‏ ‏الحكم‏ ‏الانتقالي‏ ‏في‏ ‏يوليو‏ 2003 . ‏فقد‏ ‏ضم‏ ‏هذا‏ ‏المجلس‏ 25 ‏عضوا‏ ‏بينهم‏ 13 ‏من‏ ‏الشيعة‏, ‏و‏ 5 ‏من‏ ‏السنة‏ ‏العرب‏, ‏و‏ 5 ‏من‏ ‏الأكراد‏, ‏وعضو‏ ‏واحد ‏من‏ ‏التركمان‏ ‏وعضو ‏مسيحي ‏آشوري. ‏ولم‏ ‏يكن‏ ‏هذا‏ ‏تمثيلا‏ ‏طائفيا‏ ‏عرقيا‏ ‏صافيا‏, ‏لأن‏ ‏معظم‏ ‏الأعضاء‏ ‏الشيعة‏ ‏والسنة‏ ‏العرب‏ ‏كانوا‏ ‏ممثلين‏ ‏لأحزاب‏ ‏وحركات‏ ‏وقوي‏ ‏سياسية‏ ‏يستحيل‏ ‏القول‏ ‏إن‏ ‏لبعضها‏ ‏علي‏ ‏الأقل‏ ‏علاقة‏ ‏بهذه‏ ‏الطائفة‏ ‏أو‏ ‏تلك‏ ‏لكونها‏ ‏تعبر‏ ‏عن‏ ‏توجهات‏ ‏علمانية‏ ‏بدرجات‏ ‏مختلفة‏, ‏مثل‏ ‏تجمع‏ ‏الديمقراطيين‏ ‏الأحرار‏ (‏عدنان‏ ‏الباجه‏ ‏جي‏) ‏وحركة‏ ‏الوفاق‏ ‏الوطني‏ (إياد‏ ‏علاوي‏) ‏والحزب‏ ‏الشيوعي‏ ‏العراقي‏ (‏حميد‏ ‏مجيد‏ ‏موسي‏). ‏وحدث‏ ‏مثل‏ ‏ذلك‏ ‏عند‏ ‏قيام‏ ‏هذا‏ ‏المجلس‏ ‏بتشكيل‏ ‏الحكومة‏ ‏المؤقتة‏ ‏التي‏ ‏حصل‏ ‏فيها‏ ‏كل‏ ‏حزب‏ ‏أو‏ ‏منظمة‏ ‏ممثلة‏ ‏فيه‏ ‏علي‏ ‏حصة‏ ‏بنفس‏ ‏التقسيم‏ ‏الذي‏ ‏تم‏ ‏اعتماده‏ ‏عند‏ ‏تأسيسه‏.‏
وعندما‏ ‏حدث‏ ‏الاتفاق‏ ‏بين‏ ‏مجلس‏ ‏الحكم‏ ‏الانتقالي‏ ‏والإدارة‏ ‏المدنية‏ ‏لسلطة‏ ‏الاحتلال‏ ‏في‏ ‏نوفمبر‏ 2003 ‏علي‏ ‏نقل‏ ‏السيادة‏ ‏إلى‏ ‏الشعب‏ ‏العراقي‏ ‏في‏ 30 ‏يونيو‏ 2004, أثير ‏التساؤل‏ ‏عن‏ ‏الجهة‏ ‏أو‏ ‏الهيئة‏ ‏التي‏ ‏ستتسلم‏ ‏السيادة‏ ‏وتمارس‏ ‏السلطة‏. ‏وبعد‏ ‏جدل‏ ‏لم‏ ‏يستمر‏ ‏طويلا‏, ‏تبين‏ ‏أن‏ ‏إجراء‏ ‏انتخابات‏ ‏عامة‏ ‏خلال‏ ‏هذه‏ ‏الفترة‏ ‏القصيرة‏ ‏أمر‏ ‏مستحيل‏. ‏وأكدت‏ ‏الأمم‏ ‏المتحدة‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏السيد‏ ‏الأخضر‏ ‏الإبراهيمي‏ ‏مبعوث‏ ‏الأمين‏ ‏العام‏. ‏ولما‏ ‏تبين‏ ‏أنه‏ ‏من‏ ‏الصعب‏ ‏أيضا‏ ‏إجراء‏ ‏أي‏ ‏شكل‏ ‏من‏ ‏أشكال‏ ‏الانتخاب‏ ‏الجزئي‏, ‏أصبح‏ ‏تشكيل‏ ‏حكومة‏ ‏مؤقتة‏ ‏تتسلم‏ ‏السيادة‏ ‏عبر‏ ‏التعيين‏ ‏أمرا‏ ‏لا‏ ‏مفر‏ ‏منه‏ ‏علي‏ ‏أن‏ ‏تقوم‏ ‏الأمم‏ ‏المتحدة‏ ‏بدور‏ ‏رئيس‏ ‏في‏ ‏هذه‏ ‏العملية‏. ‏وبغض‏ ‏النظر‏ ‏عن‏ ‏مدي‏ ‏الدور‏ ‏الذي‏ ‏قامت‏ ‏به‏, ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏هناك‏ ‏مناص‏ ‏من‏ ‏التوافق‏ ‏علي‏ ‏صيغة‏ ‏التقاسم‏ ‏الطائفي‏ ‏العرقي‏ (‏المحاصصة‏) ‏مرة‏ ‏أخري‏, ‏عملا‏ ‏بمنهج‏ ‏معروف‏ ‏في‏ ‏النظرية‏ ‏الديمقراطية‏ ‏وهو‏ ‏الديمقراطية‏ ‏التوافقية‏.‏ والأرجح أن يتراجع هذا النزوع الاضطراري إلى التقاسم الطائفي العرقي تدريجيا عندما يستعيد العراق استقراره وتتقدم الممارسة الديمقراطية المفقودة أو المحظورة منذ ما يقرب من نصف قرن. فقد تجذرت الانتماءات الأولية الطائفية والعرقية والعشائرية نتيجة نزع السياسة من المجتمع بعنف وغياب أي قدر أو نوع من الممارسة الديمقراطية.
ولذلك فإن الوضع الذي رأينا العراق عليه بعد حرب 2003 كان نتاج عقود من القهر . فما كان لأي قوة محتلة أن تزرع الانتماءات الأولية بهذا العمق مهما أوتيت من قدرات ولو حتى امتلكت عصا سحرية. لقد عاش العراقيون السنوات العشر الأخيرة قبل الحرب في حال انقسام اجتماعي عميق، بل يجوز القول إنهم كانوا في حال حرب أهلية كامنة من جراء الأحقاد الطائفية والعرقية التي زرعتها سياسات النظام السابق.
فالاتجاه إلى نوع من التقاسم في مرحلة بناء النظام السياسي الجديد هو فعل اضطراري لا بديل عنه، ولا يصح البحث عن تفسيرات تآمرية له من نوع أنه جزء من خطة أمريكية مثلا. فنظام التقاسم التوافقي ليس خيارا من بين خيارات مفتوحة. كما أن خبرة واشنطن معه في لبنان ليست مشجعة لأن هذا البلد كان ولا يزال أكثر استعصاء عليها من غيره. وهذه هي الحالة الوحيدة لنظام التقاسم في العالم العربي علما بأنه سيكون في العراق مختلطا بنظام حكم الأغلبية بخلاف لبنان. إن نظام التقاسم أو المحاصصة كما يسميه العراقيون ليس بدعة، إذ أن له أصوله المنهجية في النظرية الديمقراطية. ولذلك‏ ‏تبدو‏ ‏مناقشة‏ ‏هذا‏ ‏النظام‏ ‏بأصوله النظرية ‏وصياغاته‏ ‏التطبيقية‏ ‏أمرا‏ ‏ضروريا‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏ترشيد‏ ‏الجدل‏ ‏العام‏ ‏حول‏ ‏عملية‏ ‏بناء‏ ‏النظام‏ ‏السياسي‏ ‏العراقي‏ ‏الجديد‏.‏
أولا‏: ‏التوافقية‏ ‏كحل‏ ‏للانقسامات‏ ‏الثقافية‏
يعيدنا‏ ‏الموقف‏ ‏الشائع‏ ‏في‏ ‏العالم‏ ‏العربي‏ ‏ضد‏ ‏التوزيع‏ ‏الإثني ‏للسلطة‏ ‏في‏ ‏العراق‏ ‏إلى‏ ‏الوضع‏ ‏الذي‏ ‏كان‏ ‏سائدا‏ ‏في‏ ‏النظرية‏ ‏الديمقراطية‏ ‏عندما‏ ‏كان‏ ‏هناك‏ ‏اعتقاد‏ ‏في‏ ‏صعوبة‏ ‏بناء‏ ‏النظام‏ ‏الديمقراطي‏ ‏في‏ ‏ظل‏ ‏وجود‏ ‏انقسام‏ ‏ثقافي‏ ‏لأن‏ ‏هذا‏ ‏النظام‏ ‏يقوم‏ ‏علي‏ ‏توافق‏ ‏عام‏ Consensus ‏في‏ ‏المجتمع‏. ‏ونقصد‏ ‏بالانقسام‏ ‏الثقافي‏ ‏هنا‏ ‏معني‏ ‏واسعا‏ ‏يشمل‏ ‏التباينات‏ ‏العرقية‏ ‏والدينية‏ ‏واللغوية‏. ‏وهو‏ ‏المعني‏ ‏نفسه‏ ‏الذي‏ ‏يشيع‏ ‏الآن‏ ‏استخدام‏ ‏مفهوم‏ ‏الإثنية‏ Ethnicity ‏للتعبير‏ ‏عنه‏.( ) ‏فالثابت‏ ‏أن‏ ‏للإثنية‏ ‏جوهرا‏ ‏ثقافيا‏, ‏من‏ ‏حيث‏ ‏إنها‏ ‏دلالة‏ ‏علي‏ ‏هوية‏ ‏معينة‏ ‏قائمة‏ ‏علي‏ ‏الأصل‏ ‏العرقي‏ ‏أو‏ ‏الانتماء‏ ‏الديني‏ - ‏الطائفي‏ - ‏المذهبي‏ ‏و‏/ ‏أو‏ ‏اللغة‏.‏
وقد‏ ‏ساد‏ ‏لفترة‏ ‏طويلة‏ ‏التشاؤم‏ ‏بشأن‏ ‏إمكانية‏ ‏نجاح‏ ‏الديمقراطية‏ ‏في‏ ‏البلاد‏ ‏المنقسمة‏ ‏ثقافيا‏, ‏والتي‏ ‏يشيع‏ ‏استخدام‏ ‏مفهوم‏ ‏المجتمعات‏ ‏التعددية‏ plural society ‏للإشارة‏ ‏إليها‏. ‏واستند‏ ‏هذا‏ ‏التشاؤم‏ ‏إلى‏ ‏أن‏ ‏الانقسام‏ ‏الثقافي‏ ‏قابل‏ ‏للتسييس‏, ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏إقامة‏ ‏أحزاب‏ ‏وحركات‏ ‏سياسية‏ ‏علي‏ ‏خطوط‏ ‏هذا‏ ‏الانقسام‏. ‏ويعني‏ ‏ذلك‏ ‏شيوع‏ ‏ثقافة‏ ‏سياسية‏, ‏تميل‏ ‏للعداء‏ ‏المتبادل‏ ‏وتحول‏ ‏دون‏ ‏المساومة‏ ‏والتوفيق‏ ‏والتصالح‏. ‏وعبر‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏التشاؤم‏ ‏علماء‏ ‏غربيون‏ ‏بارزون‏ ‏مثل‏ ‏جون‏ ‏ستيوارت‏ ‏ميل‏, ‏وبايندر‏, ‏وكوبر‏( ). ‏ومن‏ ‏الطبيعي‏, ‏في‏ ‏هذا‏ ‏السياق‏, ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏الانقسامات‏ ‏الثقافية‏ ‏أكثر‏ ‏خطورة‏ ‏عندما‏ ‏تتطابق‏ ‏جماعة‏ ‏عرقية‏ ‏تتحدث‏ ‏اللغة‏ ‏نفسها‏ ‏وتدين‏ ‏بدين‏ ‏واحد‏ ‏وتتركز‏ ‏في‏ ‏إقليم‏ ‏معين‏ ‏في‏ ‏الدولة‏.( ) ‏لكن‏ ‏الملاحظ‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏النزعة‏ ‏التشاؤمية‏ ‏وصلت‏ ‏إلى‏ ‏ذروتها‏ ‏في‏ ‏أدبيات‏ ‏التنمية‏ ‏السياسية‏, ‏بسبب‏ ‏الاهتمام‏ ‏المبالغ‏ ‏فيه‏ ‏بقضية‏ ‏التكامل‏ ‏القومي‏ ‏وبناء‏ ‏الأمة‏ ‏التي‏ ‏أعطيت‏ ‏أولوية‏ قصوى ‏في‏ ‏هذه‏ ‏الأدبيات‏.( ) ‏ووصل‏ ‏الأمر‏ ‏أحيانا‏ ‏إلى‏ ‏حد‏ ‏التنظير‏ ‏دون‏ ‏قصد‏ ‏للشمولية‏, ‏كما‏ ‏فعل‏ ‏بايندر‏ ‏عام‏ 1964 ‏عندما‏ ‏جادل‏ ‏بأن‏ ‏التكامل‏ ‏القومي‏ ‏يقتضي‏ ‏وجود‏ ‏اتفاق‏ ‏عام‏ ‏ثقافي‏ ‏لم‏ ‏يتحقق‏ ‏في‏ ‏معظم‏ ‏الدول‏ ‏النامية‏.( )
ولم‏ ‏يتسن‏ ‏البدء‏ ‏في‏ ‏وضع‏ ‏حد‏ ‏لهذه‏ ‏النزعة‏ ‏التشاؤمية‏ ‏إلا‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏طرح‏ ‏أريند‏ ‏ليجفارت‏ ‏نموذج‏ ‏التراضي‏ ‏المشروط‏ Consociation, ‏في‏ ‏كتابه‏ ‏المهم‏ ‏الذي‏ ‏صدر‏ ‏عام‏ 1986 ‏ومثل‏ ‏نقطة‏ ‏تحول‏ ‏في‏ ‏التفكير‏ ‏بشأن‏ ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏الانقسامات‏ ‏الثقافية‏ ‏والديمقراطية‏. ‏ولم‏ ‏يكن‏ ‏هذا‏ ‏النموذج‏ ‏محض‏ ‏ابتكار‏ ‏من‏ ‏بنات‏ ‏عقل‏ ‏ليجفارت‏, ‏وإنما‏ ‏كان‏ ‏نتيجة‏ ‏لدراسة‏ ‏تجارب‏ ‏بعض‏ ‏الدول‏ ‏المنقسمة‏ ‏بشكل‏ ‏حاد‏. ‏وخلص‏ ‏إلى‏ ‏وجود‏ ‏قواسم‏ ‏مشتركة‏ ‏بين‏ ‏هذه‏ ‏التجارب‏, ‏محورها‏ ‏التراضي‏ ‏بين‏ ‏النخب‏ ‏الممثلة‏ ‏أو‏ ‏المعبرة‏ ‏عن‏ ‏جماعات‏ ‏مختلفة‏ ‏علي‏ ‏آليات‏ ‏للتعاون‏ ‏ولضمان‏ ‏مشاركة‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الجماعات‏ ‏في‏ ‏الحكم‏. ‏وقد‏ ‏اشتق‏ ‏هذا‏ ‏المفهوم‏ Consociation ‏من‏ ‏الكلمة‏ ‏الإيطالية‏ Consociato ‏ليطلقه‏ ‏علي‏ ‏النموذج‏ ‏الذي‏ ‏وجد‏ ‏مصداقا‏ ‏له‏ ‏بدرجات‏ ‏مختلفة‏ ‏وأشكال‏ ‏متباينة‏ ‏في‏ ‏تجارب‏ ‏دول‏ ‏أوروبية‏ ‏مثل‏ ‏هولندا‏ ‏وبلجيكا‏ ‏والنمسا‏ ‏وسويسرا‏ ‏ولوكسمبورج‏, ‏وفي‏ ‏تجارب‏ ‏دول‏ ‏أخري‏ ‏جنوب‏ ‏العالم‏ ‏أهمها‏ ‏ماليزيا‏ ‏ولبنان‏ ‏حتى‏ عام 1975.( )
وما‏ ‏يجمع‏ ‏بين‏ ‏هذه‏ ‏الدول‏ ‏وجود‏ ‏انقسامات‏ ‏مركبة‏ ‏أحيانا‏, ‏نتيجة‏ ‏انغلاق‏ ‏الجماعات‏ ‏الثقافية‏ ‏علي‏ ‏نفسها‏ ‏واستقلالها‏ ‏الذاتي‏ ‏وقلة‏ ‏مرونتها‏ ‏وضآلة‏ ‏التداخل‏ ‏فيما‏ ‏بينها‏, ‏بعكس‏ ‏الحال‏ ‏في‏ ‏الدول‏ ‏الأوروبية‏ ‏التي‏ ‏تصنف‏ ‏علي‏ ‏أنها‏ ‏منسجمة‏ ‏أو‏ ‏شبه‏ ‏منسجمة‏ ‏ثقافيا‏ ‏مثل‏ ‏ألمانيا‏ ‏وفرنسا‏ ‏وإيطاليا‏.‏
لكن‏ ‏رغم‏ ‏الانقسامات‏ ‏الثقافية‏, ‏نجحت‏ ‏الديمقراطية‏ ‏في‏ ‏تلك‏ ‏الدول‏, ‏من‏ ‏خلال‏ ‏نموذج‏ ‏يقوم‏ ‏علي‏ ‏أحد‏ ‏أو‏ ‏بعض‏ ‏‏المقومات التالية( ):‏
‏1- ‏نظام‏ ‏سياسي‏ ‏يقوم‏ ‏علي‏ ‏ائتلاف‏ ‏واسع‏ ‏يضم‏ ‏ممثلي‏ ‏كل‏ ‏أو‏ ‏معظم‏ ‏الجماعات‏ ‏الثقافية‏, ‏سواء‏ ‏في‏ ‏صورة‏ ‏حكومة‏ ‏ائتلافية‏ ‏أو‏ ‏مجلس‏ ‏أعلي‏ ‏ذي‏ ‏وظائف‏ ‏استشارية‏, ‏لكن‏ ‏يتمتع‏ ‏بنفوذ‏ ‏قوي‏ ‏لدوره‏ ‏التوفيقي‏ ‏في‏ ‏حل‏ ‏الخلافات‏.‏
‏2- '‏فيتو‏' ‏متبادل‏ ‏لحماية‏ ‏مصالح‏ ‏الأقليات‏, ‏ويتم‏ ‏تضمينه‏ ‏في‏ ‏برنامج‏ ‏الائتلاف‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏النص‏ ‏علي‏ ‏اتخاذ‏ ‏القرارات‏ ‏بالإجماع‏ ‏إما‏ ‏داخل‏ ‏الحكومة‏ ‏أو‏ ‏المجلس‏ ‏الاستشاري‏. ‏وفي‏ ‏حالة‏ ‏بلجيكا‏, ‏حدث‏ ‏تعديل‏ ‏دستوري‏ ‏عام‏ 1970 ‏ينص‏ ‏علي‏ ‏أن‏ ‏القوانين‏ ‏المؤثرة‏ ‏علي‏ ‏الهويات‏ ‏الثقافية‏ ‏واللغوية‏ ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏تحصل‏ ‏علي‏ ‏موافقة‏ ‏أعضاء‏ ‏البرلمان‏ ‏الممثلين‏ ‏للجماعتين‏ ‏اللتين‏ ‏تتحدثان‏ ‏الألمانية‏ ‏والفرنسية‏.‏
‏3- ‏نظام‏ ‏للحصص‏ ‏يضمن‏ ‏تمثيلا‏ ‏مختلفا‏ ‏أو‏ ‏أهم‏ ‏الجماعات‏ ‏الثقافية‏, ‏بحيث‏ ‏لا‏ ‏تهيمن‏ ‏إحداها‏ ‏أو‏ ‏يستبعد‏ ‏ويهمش‏ ‏بعضها‏.‏
‏4- ‏درجة‏ ‏عالية‏ ‏من‏ ‏الاستقلال‏ ‏الذاتي‏ ‏لكل‏ ‏جماعة‏ ‏في‏ ‏إدارة‏ ‏شئونها‏ ‏الدينية‏ ‏والإعلامية‏ ‏والتعليمية‏ ‏والاجتماعية‏. ‏ويمكن‏ ‏الوصول‏ ‏إلى‏ ‏الفيدرالية‏, ‏خاصة‏ ‏عندما‏ ‏يتطابق‏ ‏الانقسام‏ ‏الثقافي‏ ‏مع‏ ‏تركز‏ ‏كل‏ ‏جماعة‏ ‏في‏ ‏إقليم‏ ‏معين‏.‏
والواضح‏ ‏أن‏ ‏إعمال‏ ‏هذا‏ ‏النموذج‏ ‏يقتضي‏ ‏توافر‏ ‏مستوي‏ ‏مرتفع‏ ‏من‏ ‏القدرة‏ ‏علي‏ ‏التفاعل‏ ‏بين‏ ‏النخب‏ ‏الممثلة‏ ‏للجماعات‏ ‏المختلفة‏, ‏ورسوخ‏ ‏قيم‏ ‏الحوار‏ ‏والتعاون‏ ‏والتسامح‏ ‏والمساومة‏. ‏لكن‏ ‏الأخذ‏ ‏به‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يساعد‏ ‏علي‏ ‏شيوع‏ ‏هذه‏ ‏القيم‏ ‏تدريجيا‏. ‏ويعتبر‏ ‏لبنان‏ ‏من‏ ‏أهم‏ ‏دول‏ ‏جنوب‏ ‏العالم‏ ‏المنقسمة‏ ‏ثقافيا‏ ‏التي‏ ‏أخذت‏ ‏بنظام‏ ‏قريب‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏النموذج‏, ‏حتى‏ ‏نشوب‏ ‏الحرب‏ ‏الأهلية‏ ‏عام‏ 1975. ‏وليس‏ ‏هناك‏ ‏ما‏ ‏يؤكد‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الحرب‏ ‏نتجت‏ ‏عن‏ ‏إخفاق‏ ‏صيغة‏ ‏التوافق‏ ‏اللبناني‏, ‏لأن‏ ‏العامل‏ ‏الإقليمي‏ (‏الفلسطيني‏ - ‏الإسرائيلي‏‏) ‏لعب‏ ‏دورا‏ ‏جوهريا‏ ‏في‏ ‏نشوبها‏( ). ‏ورغم‏ ‏أن‏ ‏ليجفارت‏ ‏لم‏ ‏يتعرض‏ ‏لتأثير‏ ‏العامل‏ ‏الإقليمي‏ ‏في‏ ‏حالة‏ ‏لبنان‏, ‏فهو‏ ‏يذهب‏ ‏إلى‏ ‏أن‏ ‏نموذج‏ ‏التراضي‏ ‏المشروط‏ ‏عمل‏ ‏بشكل‏ ‏مرض‏ ‏في‏ ‏هذه‏ ‏الحالة‏ ‏لأكثر‏ ‏من‏ ‏ثلاثين‏ ‏عاما‏. ‏لكنه‏ ‏يري‏ ‏أن‏ ‏أهم‏ ‏نقاط‏ ‏الضعف‏ ‏فيها‏ ‏كان‏ ‏عدم‏ ‏مرونة‏ ‏المؤسسات‏, ‏مما‏ ‏حال‏ ‏دون‏ ‏تطويرها‏ ‏لتتلاءم‏ ‏مع‏ ‏التغير‏ ‏السكاني‏ ‏الذي‏ ‏حدث‏ ‏وترتب‏ ‏عليه‏ ‏تراجع‏ ‏أغلبية‏ ‏الطوائف‏ ‏المسيحية‏. ‏وهو‏ ‏يلاحظ‏ ‏أيضا‏ ‏أن‏ ‏النظام‏ ‏الانتخابي‏ ‏اللبناني‏ ‏ابتعد‏ ‏نسبيا‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏النموذج‏, ‏لأن‏ ‏المرشح‏ ‏كان‏ ‏يحتاج‏ ‏في‏ ‏كثير‏ ‏من‏ ‏الأحيان‏ ‏إلى‏ ‏أصوات‏ ‏من‏ ‏طائفته‏ ‏ومن‏ ‏طوائف‏ ‏أخري‏. ‏وهذا‏ ‏يقود‏ ‏إلى‏ ‏وضع‏ ‏لا‏ ‏يعبر‏ ‏فيه‏ ‏معظم‏ ‏النواب‏ ‏عن‏ ‏طوائفهم‏ ‏تعبيرا‏ ‏كاملا( ). ‏ويتعارض‏ ‏هذا‏ ‏التقييم‏ ‏مع‏ ‏الانتقادات‏ ‏الحادة‏ ‏التي‏ ‏تعرضت‏ ‏لها‏ ‏التجربة‏ ‏اللبنانية‏, ‏وانصبت‏ ‏علي‏ ‏وصمها‏ ‏بالطائفية‏ ‏التي‏ ‏اعتبرها‏ ‏الكثيرون‏ ‏رذيلة‏ ‏ينبغي‏ ‏التخلص‏ ‏منها‏. ‏فقد‏ ‏تم‏ ‏اختزالها‏ ‏إلى‏ ‏مجرد‏ ‏ترتيب‏ ‏طائفي‏ ‏مقيت‏ ‏ومتخلف‏. ‏وساعد‏ ‏انهيارها‏ ‏عام‏ 1975 ‏في‏ ‏دعم‏ ‏الهجوم‏ ‏عليها‏, ‏من‏ ‏دون‏ ‏البحث‏ ‏جديا‏ ‏فيما‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏هذا‏ ‏الانهيار‏ ‏نجم‏ ‏عن‏ ‏خلل‏ ‏أصيل‏ ‏فيها‏, ‏أم‏ ‏من‏ ‏تأثير‏ ‏العامل‏ ‏الإقليمي‏ ‏الذي‏ ‏كان‏ ‏عبئا‏ ‏عليها( )‏.
وتعتبر‏ ‏ماليزيا‏ ‏حالة‏ ‏أخري‏ ‏تؤكد‏ ‏أن‏ ‏نظام‏ ‏التراضي‏ ‏المشروط‏ ‏يساعد‏ ‏علي‏ ‏دعم‏ ‏التطور‏ ‏الديمقراطي‏ ‏في‏ ‏الدول‏ ‏المنقسمة‏, ‏فرغم‏ ‏أن‏ ‏الجماعات‏ ‏العرقية‏ ‏فيها‏ ‏قليلة‏, ‏إلا‏ ‏أنها‏ ‏شديدة‏ ‏الاختلاف‏ ‏عن‏ ‏بعضها‏ (‏المالاي‏, ‏والصينيين‏ ‏والهنود‏ ‏والباكستانيين‏). ‏وقد‏ ‏بدأ‏ ‏الأخذ‏ ‏بهذا‏ ‏النظام‏ ‏في‏ ‏مطلع‏ ‏الخمسينيات‏, ‏مع‏ ‏تشكيل‏ ‏الائتلاف‏ ‏الكبير‏ ‏من‏ ‏المالاي‏ ‏والصينيين‏ ‏والهنود‏, ‏وفقا‏ ‏لبرنامج‏ ‏أتاح‏ ‏استقلالا‏ ‏ذاتيا‏ ‏واسعا‏ ‏لكل‏ ‏جماعة‏ ‏عرقية‏. ‏ورغم‏ ‏تعرض‏ ‏هذا‏ ‏النظام‏ ‏لمأزق‏ ‏منذ‏ 1969, ‏نتيجة‏ ‏ظهور‏ ‏أحزاب‏ ‏وحركات‏ ‏معارضة‏ ‏للائتلاف‏ ‏الكبير‏, ‏فقد‏ ‏ظلت‏ ‏محاولات‏ ‏الحفاظ‏ ‏علي‏ ‏التراضي‏ ‏المشروط‏ ‏مستمرة‏ ‏تنجح‏ ‏حينا‏ ‏وتخفق‏ ‏حينا‏ ‏آخر‏( ).
لكن‏ ‏محدودية‏ ‏الاتفاق‏ ‏العام‏ Consensus ‏علي‏ ‏أسس‏ ‏التطور‏ ‏السياسي‏ ‏والاجتماعي‏, ‏في‏ ‏حالتي‏ ‏لبنان‏ ‏وماليزيا‏, ‏وضعت‏ ‏قيودا‏ ‏علي‏ ‏أداء‏ ‏نموذج‏ ‏التراضي‏ ‏المشروط‏ ‏فيهما‏ ‏بالمقارنة‏ ‏مع‏ ‏الحالات‏ ‏الأوروبية‏( ). ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏فإن‏ ‏ما‏ ‏يعنينا‏ ‏هو‏ ‏أن‏ ‏نموذج‏ ‏التراضي‏ ‏المشروط‏ ‏وضع‏ ‏حدا‏ ‏للتشاؤم‏ ‏بشأن‏ إمكانات ‏الديمقراطية‏ ‏في‏ ‏الدول‏ ‏المنقسمة‏ ‏ثقافيا‏, ‏رغم‏ ‏الانتقادات‏ ‏التي‏ ‏يتعرض‏ ‏لها‏.‏
ومن‏ ‏أهم‏ ‏هذه‏ ‏الانتقادات‏ ‏أنه‏ ‏لا‏ ‏يحقق‏ ‏ديمقراطية‏ ‏كاملة‏ ‏أو‏ ‏كافية‏, ‏وأنه‏ ‏لا‏ ‏يستطيع‏ ‏توفير‏ ‏الاستقرار‏ ‏السياسي‏ ‏أو‏ ‏المناخ‏ ‏الملائم‏ ‏لحكومة‏ ‏تتمتع‏ ‏بالكفاءة‏.‏ وثمة‏ ‏انتقادات‏ ‏أخري‏ ‏لهذا‏ ‏النموذج‏ ‏تركز‏ ‏علي‏ ‏أنه‏ ‏يتجاهل‏ ‏الحرية‏ ‏الفردية‏ ‏نتيجة‏ ‏حرصه‏ ‏علي‏ ‏تحقيق‏ ‏التوازن‏ ‏بين‏ ‏النخب‏ ‏الممثلة‏ ‏للجماعات‏ ‏المختلفة‏. ‏وهذا‏ ‏صحيح‏, ‏لكن‏ ‏أين‏ ‏هي‏ ‏الديمقراطيات‏ ‏المعاصرة‏ ‏التي‏ ‏تقوم‏ ‏في‏ ‏جوهرها‏ ‏علي‏ ‏الحرية‏ ‏الفردية‏ ‏المعروفة‏ ‏في‏ ‏المثال‏ ‏الليبرالي‏ ‏التقليدي؟‏ ‏فالثابت‏ ‏أن‏ ‏الفرد‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏محور ‏النظام‏ ‏الديمقراطي‏ ‏في‏ ‏المجتمع‏ ‏الصناعي‏ ‏المعقد‏, ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏تنامي ‏دور‏ ‏المؤسسات‏ الكبرى ‏من‏ ‏أحزاب‏ ‏ونقابات‏ ‏وشركات‏ .. ‏الخ‏, ‏بحيث‏ ‏أصبحت‏ ‏الديمقراطية‏ ‏المعاصرة‏ ‏تقوم‏ ‏علي‏ ‏التوازن‏ ‏بين‏ ‏هذه‏ ‏المؤسسات‏, ‏وهو‏ ‏ما‏ ‏يسميه‏ ‏روبرت‏ ‏دال‏ ‏مثلا‏ ‏بالبوليارشية‏ Polyarchy ( )
وبغض‏ ‏النظر‏ ‏عن‏ ‏ذلك‏, فحتى ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏تغليب‏ ‏التوازن‏ ‏بين‏ ‏الجماعات‏ ‏عيبا‏, ‏فهو‏ ‏لا‏ ‏يقارن‏ ‏بالعيب‏ ‏الأكبر‏ ‏الذي‏ ‏تقود‏ ‏إليه‏ ‏هيمنة‏ إحدى ‏هذه‏ ‏الجماعات‏ ‏وقهرها‏ ‏لغيرها‏. ‏فهو‏ ‏عيب‏ ‏مغتفر‏ ‏طالما‏ ‏أنه‏ ‏يتيح‏ ‏إقامة‏ ‏نظام‏ ‏ديمقراطي‏ ‏في‏ ‏البلاد‏ ‏المنقسمة‏, ‏التي‏ ‏كان‏ ‏هناك‏ ‏اتجاه‏ ‏قوي‏ ‏يعتبرها‏ ‏غير‏ ‏مؤهلة‏ ‏للديمقراطية‏. ‏وطالما‏ ‏أن‏ ‏إلغاء‏ ‏الانقسام‏ ‏غير‏ ‏ممكن‏, يصبح الحل هو ‏إيجاد‏ ‏نوع‏ ‏من‏ ‏التوازن‏ ‏بين‏ ‏الجماعات‏ ‏المختلفة‏. ‏وهو‏ ‏في‏ ‏أحد‏ ‏أبعاده‏ ‏توازن‏ ‏أيضا‏ ‏بين‏ ‏الانقسام‏ ‏والوحدة‏ ‏أي‏ ‏بين‏ ‏الانتماء‏ ‏إلى‏ ‏جماعة‏ ‏معينة‏ ‏وإلي‏ ‏المجتمع‏ ‏كله‏, بتعبير ‏هادينوس( )‏‏.
فنحن‏ ‏إذن‏ ‏في‏ ‏حاجة‏ ‏للتأكيد‏ ‏علي‏ ‏أهمية‏ ‏نموذج‏ ‏التراضي‏ ‏المشروط‏, ‏إذا‏ ‏أردنا‏ ‏تقليص‏ ‏التأثيرات‏ ‏السلبية‏ ‏للانقسام‏ ‏الثقافي‏ ‏علي‏ إمكانات ‏الديمقراطية‏. ‏ولا‏ ‏يقلل‏ ‏من‏ ‏أهمية‏ ‏ذلك‏ ‏النتيجة‏ ‏اللافتة‏ ‏للانتباه‏, ‏التي‏ ‏توصلت‏ إليها ‏دراسة‏ ‏هادينوس‏, ‏وهي‏ ‏دراسة‏ ‏تجريبية‏ ‏حديثة‏ ‏نسبيا‏ ‏في‏ ‏مجال‏ ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏الانقسام‏ ‏الثقافي‏ ‏والديمقراطية‏. ‏وتتمثل‏ ‏هذه‏ ‏النتيجة‏ ‏في‏ ‏أن‏ ‏الانقسام‏ ‏الثقافي‏ ‏ليس‏ ‏العامل‏ ‏الأكثر‏ ‏تأثيرا‏ ‏علي‏ ‏الديمقراطية‏. ‏وتوصلت‏ ‏الدراسة‏ ‏إلى‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏مقارنة‏ ‏مستوي‏ ‏هذا‏ ‏الانقسام‏ ‏في‏ ‏أربع‏ ‏مناطق‏ ‏في‏ ‏جنوب‏ ‏العالم‏. ‏وتبين‏ ‏أن‏ ‏أعلي‏ ‏مستوي‏ ‏له‏ ‏يوجد‏ ‏في‏ ‏أفريقيا‏ ‏جنوب‏ ‏الصحراء‏, ‏وأقل‏ ‏مستوي‏ ‏له‏ ‏يوجد‏ ‏في‏ ‏شمال‏ ‏أفريقيا‏ ‏والشرق‏ ‏الأوسط‏. ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏فليس‏ ‏هناك‏ ‏فارق‏ ‏ملموس‏ ‏في‏ ‏مستوي‏ ‏التطور‏ ‏الديمقراطي‏ ‏بين‏ ‏المنطقتين‏ ‏خلال‏ ‏فترة‏ ‏الدراسة‏ (‏عقد‏ ‏الثمانينيات‏)( ).
ورغم‏ ‏أهمية‏ ‏هذا‏ ‏الاستنتاج‏, ‏فهو‏ ‏لا‏ ‏ينفي‏ ‏في‏ ‏الواقع‏ ‏أن‏ ‏للانقسام‏ ‏الثقافي‏ ‏تأثيرا‏ ‏سلبيا‏ ‏ما‏ ‏علي‏ ‏الديمقراطية‏, ‏ولذلك‏ ‏لا‏ ‏ينبغي‏ ‏الاستناد‏ ‏إليه‏ ‏كي‏ ‏نفرط‏ ‏في‏ ‏تفاؤل‏ ‏غير‏ ‏واقعي‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏المجال‏, ‏ونتصور‏ ‏أننا‏ ‏لم‏ ‏نعد‏ ‏في‏ ‏حاجة ‏إلى‏ ‏ترتيبات‏ ‏معينة‏ ‏لتلافي‏ ‏تأثير‏ ‏الانقسام‏ ‏الثقافي‏ ‏علي‏ ‏الديمقراطية‏. ‏ومن‏ ‏هنا‏ ‏يظل‏ ‏نموذج‏ ‏التراضي‏ ‏المشروط‏ ‏مفيدا‏, ‏من‏ ‏زاوية‏ ‏أنه‏ ‏ينطوي‏ ‏علي‏ ‏أفضل‏ ‏هذه‏ ‏الترتيبات‏.‏
ثانيا‏: ‏التقسيم‏ ‏الإثني‏ ‏للسلطة‏ ‏في‏ ‏العراق‏
عندما‏ ‏فتح‏ '‏الصندوق‏' ‏العراقي‏ ‏الذي‏ ‏أغلق‏ ‏بالقوة‏ ‏الغاشمة‏ ‏والقهر‏ ‏لعدة‏ ‏عقود‏, ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏أحد‏ ‏تقريبا‏ ‏يتوقع‏ ‏أن‏ ‏يخرج‏ ‏منه‏ ‏مجتمع‏ ‏شديد‏ ‏التقليدية‏ ‏كأنه‏ ‏لم‏ ‏ير‏ ‏أي‏ ‏شكل‏ ‏من‏ ‏أشكال‏ ‏الحداثة‏. ‏فالمجتمع‏ ‏العراقي‏ ‏بطبيعته‏ ‏يعرف‏ ‏نفوذا‏ ‏قويا‏ ‏للفاعليات‏ ‏التقليدية‏. ‏ولكن‏ ‏هذه‏ ‏الفاعليات‏ ‏تصدرت‏ ‏المشهد‏ ‏السياسي‏ ‏الجديد‏ ‏نتيجة‏ ‏القهر‏ ‏الرهيب‏ ‏الذي‏ ‏تعرضت‏ ‏له‏ ‏الفاعليات‏ ‏الحديثة‏ ‏من‏ ‏أحزاب‏ ‏سياسية‏ ‏ومنظمات‏ ‏مجتمع‏ ‏مدني‏ ‏تحت‏ ‏حكم‏ ‏نظام‏ ‏صدام‏ ‏حسين‏.‏
ولذلك‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏ممكنا‏ ‏استبعاد‏ ‏الفاعليات‏ ‏التقليدية‏ ‏الطائفية‏ ‏والعرقية‏, ‏وكذلك‏ ‏العشائرية‏, ‏عند‏ ‏الشروع‏ ‏في‏ ‏بناء‏ ‏النظام‏ ‏السياسي‏ ‏الجديد‏, ‏الأمر‏ ‏الذي‏ ‏يثير‏ ‏السؤال‏ ‏عن‏ ‏مدي‏ ‏إمكان‏ ‏الاعتماد‏ ‏علي‏ ‏نموذج‏ ‏التراضي‏ ‏المشروط‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏المجال‏. ‏ولكن‏ ‏هذه‏ ‏الطريقة‏ ‏في‏ ‏بناء‏ ‏النظام‏ ‏العراقي‏ ‏الجديد‏ ‏تعرضت‏ ‏إلى‏ ‏انتقادات‏ ‏حادة‏ ‏منذ‏ ‏تشكيل‏ ‏مجلس‏ ‏الحكم‏ ‏الانتقالي‏ ‏في‏ ‏يوليو‏ 2003 . ‏
وأثيرت‏, ‏في‏ ‏هذا‏ ‏السياق‏, ‏مخاوف‏ ‏شتي‏ ‏مما‏ ‏صار‏ ‏يسمي‏ '‏المحاصصة‏ ‏الطائفية‏'. ‏ووجدنا‏ ‏مقارنات‏ ‏بين‏ ‏هذا‏ ‏الوضع‏ ‏العراقي‏ ‏وتجربة‏ ‏لبنان‏, ‏ذهب‏ ‏بعضها‏ ‏إلى‏ ‏التحذير‏ ‏من‏ '‏لبننة‏' ‏العراق‏. ‏وكان‏ ‏أقل‏ ‏هذه‏ ‏المقارنات‏ ‏معتمدا‏ ‏علي‏ ‏منهج‏ ‏علمي‏, ‏فيما‏ ‏افتقد‏ ‏أكثرها‏ ‏أي‏ ‏علاقة‏ ‏بهذا‏ ‏المنهج‏, ‏بل‏ ‏غابت‏ ‏عن‏ ‏بعضها‏ ‏معرفة‏ ‏كافية‏ ‏بطبيعة‏ ‏التجربة‏ ‏اللبنانية‏ ‏نفسها‏.
وإذا‏ ‏بدأنا‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏المدخل‏, ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏ننطلق‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏النظام‏ ‏السياسي‏ ‏في‏ ‏أي‏ ‏بلد‏ ‏يكتسب‏ ‏طابعه‏ ‏من‏ ‏طريقة‏ ‏توزيع‏ ‏القوة‏ ‏السياسية‏ ‏سواء‏ ‏بين‏ ‏الفاعليات‏ ‏الأساسية‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏البلد‏ ‏أو‏ ‏بين‏ ‏المؤسسات‏ ‏التنفيذية‏ ‏والتشريعية‏ ‏والقضائية‏. ‏وقضية‏ ‏القضايا‏ ‏بالنسبة‏ ‏إلى‏ ‏النظام‏ ‏السياسي‏ ‏العراقي‏ ‏الجديد‏ ‏هي‏ ‏طريقة‏ ‏توزيع‏ ‏السلطة‏ ‏بين‏ ‏القوي‏ ‏الرئيسة‏ ‏التي‏ ‏تعود‏ ‏في‏ ‏النهاية‏ ‏إلى‏ ‏مكوناتها‏ ‏الطائفية‏ ‏والعرقية‏ ‏بالرغم‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏محاولات‏ ‏تجاوز‏ ‏هذا‏ ‏الواقع‏ ‏أو‏ بالأحرى ‏تغطيته‏. ‏فالمسألة‏ ‏المحورية‏ ‏في‏ ‏عراق‏ ‏الغد‏ ‏القريب‏ ‏الذي‏ ‏تجري‏ ‏عملية‏ ‏بنائه‏ ‏الآن‏ ‏هي‏ ‏في‏ ‏النهاية‏ ‏الوزن‏ ‏النسبي‏ ‏للشيعة‏ ‏والسنة‏ ‏والأكراد‏.‏
ولذلك‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏ممكنا‏ ‏إصدار‏ ‏قانون‏ ‏إدارة‏ ‏الدولة‏ ‏أو‏ ‏الدستور‏ ‏المؤقت‏ ‏إلا‏ ‏بعد‏ ‏الوصول‏ ‏ضمنا‏ ‏إلى‏ ‏صيغة‏ ‏لضمان‏ ‏تمثيل‏ ‏هذه‏ ‏الفاعليات‏ ‏الثلاث‏ ‏في‏ ‏أعلي‏ ‏سلطة‏ ‏في‏ ‏الدولة‏, ‏ممثلة‏ ‏في‏ ‏رئيس‏ ‏الحكومة‏ ‏ورئيس‏ ‏الدولة‏ ‏ونائبيه‏. ‏فقد‏ ‏حدث‏ ‏توافق‏ ‏ضمني‏ ‏علي‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏رئيس‏ ‏الدولة‏ ‏سنيا‏ ‏وأن‏ ‏يكون‏ ‏نائباه‏ ‏شيعيا‏ ‏وكرديا‏, ‏وأن‏ ‏يكون‏ ‏رئيس‏ ‏الحكومة‏ ‏شيعيا‏ ‏مع‏ ‏نائب‏ ‏كردي‏ ‏له‏. ‏وأدي‏ ‏ذلك‏ ‏إلى‏ ‏ازدياد‏ ‏القلق‏ ‏من‏ ‏تكريس‏ ‏صيغة‏ ‏طائفية‏ ‏عرقية‏ ‏للنظام‏ ‏السياسي‏ ‏بالرغم‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏الشخصين‏ ‏اللذين‏ ‏اختيرا‏ ‏لرئاسة‏ ‏الدولة‏ ‏ورئاسة‏ ‏الحكومة‏ ‏هما‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏يمكنهما‏ ‏تجاوز‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏الصيغة‏.‏
فرئيس‏ ‏الدولة‏ ‏غازي‏ ‏الياور‏ ‏سني‏ ‏ليس‏ ‏هناك‏ ‏أقرب‏ ‏إلى‏ ‏الشيعة‏ ‏منه‏ ‏بحكم‏ ‏انتمائه‏ ‏وموقعه‏ ‏في‏ ‏عشائر‏ ‏شمر‏ ‏العريقة‏ ‏التي‏ ‏تتميز‏ ‏بوجود‏ ‏فروع‏ ‏سنية‏ ‏وأخري‏ ‏شيعية‏ ‏فيها‏. ‏والثاني‏ ‏شيعي‏ ‏ليس‏ ‏أقرب‏ ‏إلى‏ ‏السنة‏ ‏منه‏ ‏بحكم‏ ‏قيادته‏ ‏لحزب‏ ‏سياسي‏ (‏حركة‏ ‏الوفاق‏ ‏الوطني‏) ‏يضم‏ ‏في‏ ‏صفوفه‏ ‏من‏ ‏السنة‏ ‏مثلما‏ ‏يحوي‏ ‏من‏ ‏الشيعة‏. ‏فهو‏ ‏لا‏ ‏يميز‏ ‏بين‏ ‏الطوائف‏ ‏والأعراق‏ ‏انطلاقا‏ ‏من‏ ‏اتجاهه‏ ‏العلماني‏ ‏المعتدل‏, ‏الذي‏ ‏يحترم‏ ‏الدين‏ ‏وينهل‏ ‏من‏ ‏قيمه‏ ‏ومبادئه‏ ‏السامية‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يجعله‏ ‏تجارة‏ ‏سياسية‏ ‏يربح‏ ‏من‏ ‏ورائها‏ ‏علي‏ ‏حساب‏ ‏الوطن‏ ‏والشعب‏ ‏بل‏ ‏الدين‏ ‏نفسه‏. ‏وهو‏, ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏ذلك‏, ‏الأقدر‏ ‏علي‏ ‏إعادة‏ ‏دمج‏ ‏البعثيين‏ ‏والعسكريين‏ ‏العراقيين‏ ‏السابقين‏ ‏الذين‏ ‏لم‏ ‏يرتكبوا‏ ‏جرائم‏ ‏ولم‏ ‏تلطخ‏ ‏أيديهم‏ ‏بدماء‏ ‏أبناء‏ ‏شعبهم‏ ‏ولم‏ ‏يسرقوا‏ ‏وينهبوا‏ ‏اعتمادا‏ ‏علي‏ ‏حماية‏ ‏النظام‏ ‏السابق‏ ‏لهم‏.‏ وفوق‏ ‏هذا‏ ‏كله‏, ‏يتمتع‏ ‏الياور‏ ‏وعلاوي‏ ‏بعلاقات‏ ‏طيبة‏ ‏مع‏ ‏مختلف‏ ‏الفعاليات‏ ‏الكردية‏ ‏والتركمانية‏ ‏والآشورية‏.‏
وهما‏, ‏علي‏ ‏هذا‏ ‏النحو‏, ‏يضمان‏ ‏تكامل‏ ‏مختلف‏ ‏مكونات‏ ‏المجتمع‏ ‏العراقي‏ ‏المتعدد‏ ‏والمتنوع‏ ‏وبالتالي‏ ‏إبعاد‏ ‏شبح‏ ‏الاقتتال‏ ‏أو‏ ‏الحرب‏ ‏الأهلية‏. ‏وهذا‏ ‏شبح‏ ‏كان‏ ‏يلوح‏ ‏من‏ ‏بعيد‏ ‏في‏ ‏سماء‏ ‏بلاد‏ ‏الرافدين‏. ‏ولم‏ ‏يكن‏ ‏في‏ ‏إمكان‏ ‏أحد‏ ‏أن‏ ‏ينفي‏ ‏خطره‏ ‏كليا‏ ‏أو‏ ‏يجزم‏ ‏بأنه‏ ‏ليس‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏خيال‏ ‏لا‏ ‏أصل‏ ‏له‏ ‏البتة‏ ‏بمن‏ ‏في‏ ‏ذلك‏ ‏أكثر‏ ‏المتفائلين‏ ‏بمستقبل‏ ‏العراق‏ ‏وقدرة‏ ‏شعبه‏ ‏علي‏ ‏عبور‏ ‏أكبر‏ ‏المحن‏.‏
كان‏ ‏مخاض‏ ‏تسمية‏ ‏الرئيس‏ ‏العراقي‏ ‏الجديد‏ ‏صعبا‏ ‏مقارنة‏ ‏بعملية‏ ‏اختيار‏ ‏رئيس‏ ‏الحكومة‏ ‏التي‏ ‏تمت‏ ‏في‏ ‏يسر‏ ‏برغم‏ أن‏ ‏الثاني‏ ‏الذي‏ ‏لم‏ ‏يحدث‏ ‏خلاف‏ ‏يذكر‏ ‏عليه‏ ‏هو‏ ‏الرئيس‏ ‏الفعلي‏ ‏للسلطة‏ ‏التنفيذية‏ ‏فيما‏ ‏‏يتمتع‏ ‏الثاني‏ ‏بصلاحيات ‏محدودة‏. ‏ولكن‏ ‏يبدو‏ ‏أن‏ ‏كلمة‏ ‏الرئيس ‏لها‏ ‏وقع‏ ‏آخر‏ ‏في‏ ‏العقل‏ ‏العربي‏ ‏حتى‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏دوره‏ ‏رمزيا‏ ‏أو‏ ‏يكاد‏. ‏ولم‏ ‏تثر‏ ‏صعوبات‏ ‏مخاض‏ ‏تسميته‏ ‏قلقا‏ ‏بالغا‏ ‏إلا‏ ‏عندما‏ ‏لوح‏ ‏الحاكم‏ ‏المدني‏ ‏الأمريكي‏ ‏حينئذ‏ ‏بول‏ ‏بريمر ‏بطرح‏ ‏أسماء‏ ‏غير‏ ‏المتنافسين‏ ‏الاثنين‏ (‏الياور‏ ‏وعدنان‏ ‏الباجه‏ ‏جي‏) ‏اللذين‏ ‏يبز‏ ‏كل‏ ‏منهما‏ ‏الآخر‏ ‏قدرة‏ ‏ووطنية‏. ‏ولكن‏ ‏برغم‏ ‏تساويهما‏ ‏في‏ ‏كثير‏ ‏من‏ ‏المناقب‏, ‏كان‏ ‏الياور‏ ‏هو‏ ‏رجل‏ ‏مرحلة‏ ‏استعادة‏ ‏السيادة‏ ‏والشروع‏ ‏في‏ ‏بناء‏ ‏العراق‏ ‏الجديد‏ ‏لأنه‏ ‏الأقدر‏ ‏علي‏ ‏تحقيق‏ ‏الاندماج‏ ‏الاجتماعي‏ - ‏الطائفي‏ ‏الذي‏ ‏حدث‏ ‏فيه‏ ‏شرخ‏ ‏كبير‏ ‏خلال‏ ‏عهد‏ ‏النظام‏ ‏السابق‏ ‏الذي‏ ‏خلق‏ ‏حالة‏ ‏من‏ ‏الكراهية‏ ‏المتبادلة‏ ‏بين‏ ‏مكونات‏ ‏المجتمع‏ ‏العراقي‏.‏
فالرئيس‏ ‏الياور‏ ‏الذي‏ ‏ينتمي‏ ‏إلى‏ ‏السنة‏ ‏هو‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏يطمئن‏ ‏أبناء‏ ‏مناطق‏ ‏وسط‏ ‏وغرب‏ ‏العراق‏ ‏الذين‏ ‏اشتد‏ ‏قلقهم‏ ‏من‏ ‏تحميلهم‏ ‏جريرة‏ ‏النظام‏ ‏السابق‏ ‏وتهميشهم‏ ‏في‏ ‏ظل‏ ‏النظام‏ ‏الجديد‏. ‏ولذلك‏ ‏كان‏ ‏سهلا‏ ‏علي‏ ‏المجموعات‏ ‏التي‏ ‏تمارس‏ ‏العنف‏ ‏المنظم‏ ‏عراقية‏ ‏كانت‏ ‏أو‏ ‏أجنبية‏ ‏أن‏ ‏تجد‏ ‏من‏ ‏يحتضنها‏ ‏من‏ ‏سكان‏ ‏هذه‏ ‏المناطق‏ ‏ويوفر‏ ‏لها‏ ‏ما‏ ‏يعرف‏ ‏في‏ ‏أدبيات‏ ‏حرب‏ ‏العصابات‏ ‏بالملاذ‏ ‏الآمن‏ ‏الذي‏ ‏يمثل‏ ‏لها‏ ‏ما‏ ‏يمثله‏ ‏البحر‏ ‏بالنسبة‏ ‏إلى‏ ‏السمك‏ ‏وفق‏ ‏تعبير‏ ‏الزعيم‏ ‏الصيني‏ ‏الراحل‏ ‏ماوتسي‏ ‏تونغ‏ ‏في‏ ‏نظريته‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏الحرب‏.‏
فعشائر‏ ‏شمر‏ ‏تمتد‏ ‏في‏ ‏معظم‏ ‏أنحاء‏ ‏العراق‏ ‏وتتميز‏ ‏بدرجة‏ ‏عالية‏ ‏من‏ ‏التماسك‏. ‏ولذلك‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏مدهشا‏ ‏أن‏ ‏تحتضن‏ ‏تكريت‏ ‏مسقط‏ ‏رأس‏ ‏الرئيس‏ ‏السابق‏ ‏أحد‏ ‏الاحتفالات‏ ‏الأولي‏ ‏التي‏ أقيمت ‏ابتهاجا‏ ‏بتنصيب‏ ‏الياور‏. ‏فقد‏ ‏سارع‏ '‏الشمريون‏' ‏من‏ ‏سكان‏ ‏تكريت‏ ‏إلى‏ ‏إقامة‏ ‏هذا‏ ‏الاحتفال‏, ‏الأمر‏ ‏الذي‏ ‏يقدم‏ ‏مؤشرا‏ ‏علي‏ ‏الأثر‏ ‏الإيجابي‏ ‏الذي‏ ‏أحدثه‏ ‏تنصيب‏ ‏الياور‏.‏
وقل‏ ‏مثل‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏الأثر‏ ‏المترتب‏ ‏علي‏ ‏تنصيب‏ ‏الياور‏ ‏في‏ ‏نظرة‏ ‏شيعة‏ ‏العراق‏ ‏إلى‏ ‏المستقبل‏. ‏فقد‏ ‏كان‏ ‏كثير‏ ‏منهم‏ ‏يتطلعون‏ ‏إلى‏ ‏وضع‏ ‏شيعي‏ ‏في‏ ‏منصب‏ ‏الرئيس‏ ‏للمرة‏ ‏الأولي‏ ‏في‏ ‏تاريخ‏ ‏العراق‏. ‏وبالرغم‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏شيعيا‏ ‏تولي‏ ‏منصب‏ ‏رئاسة‏ ‏الحكومة‏ ‏الأكثر‏ ‏أهمية‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏السلطة‏ ‏والقوة‏, ‏يظل‏ ‏لكلمة‏ '‏الرئيس‏' ‏سحرها‏ ‏في‏ ‏العقل‏ ‏العربي‏ ‏كما‏ ‏سبقت‏ ‏الإشارة‏. ‏ولذلك‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏ثمة‏ ‏ترضية‏ ‏للشيعة‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏رئيس‏ ‏سني‏ ‏يوجد‏ ‏بين‏ ‏عشيرته‏ ‏وأهله‏ ‏الكثير‏ ‏من‏ ‏الشيعة‏. ‏فهذا‏ ‏ضمان‏ ‏لتطور‏ ‏إيجابي‏ ‏متوقع‏ ‏في‏ ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏الطائفتين‏ ‏يدعمه‏ ‏أن‏ ‏رئيس‏ ‏الحكومة‏ '‏إياد‏ ‏علاوي‏' ‏لا‏ ‏يميز‏ ‏بين‏ ‏شيعي‏ ‏وسني‏ ‏وفق‏ ‏ما‏ ‏يشهد‏ ‏به‏ ‏تاريخه‏ ‏السياسي‏ ‏المديد‏.‏
ولكن‏ ‏وجود‏ ‏علاوي‏ ‏علي‏ ‏رأس‏ ‏الحكومة‏ ‏المؤقتة‏ ‏في‏ ‏هذه‏ ‏اللحظة‏ ‏العصيبة‏ ‏في‏ ‏تاريخ‏ ‏العراق‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏ضروريا‏ ‏فقط‏ ‏لتصحيح‏ ‏مسار‏ ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏الشيعة‏ ‏والسنة‏, ‏ولكن‏ ‏أيضا‏ ‏في‏ ‏وضع‏ ‏حد‏ ‏لاتجاه‏ ‏استئصالي‏ ‏ظهر‏ ‏عقب‏ ‏تحرير‏ ‏العراق‏ ‏وتبني‏ ‏موقف‏ '‏اجتثاث‏ ‏البعث‏'. ‏ولا‏ ‏يخفي‏ ‏مدى‏ ‏ما‏ ‏يمثله‏ ‏هذا‏ ‏الموقف‏ ‏من‏ ‏خطر‏ ‏علي‏ إمكانات ‏بناء‏ ‏عراق‏ ‏جديد‏ ‏ديمقراطي‏ ‏يجد‏ ‏كل‏ ‏مواطنيه‏ ‏مكانا‏ ‏ودورا‏ ‏لهم‏ ‏فيه‏.‏
وكان‏ ‏علاوي‏ ‏أهم‏ ‏وأبرز‏ ‏معارضي‏ ‏النظام‏ ‏السابق‏ ‏الذين‏ ‏تبنوا‏ ‏موقفا‏ ‏موضوعيا‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏المجال‏ ‏ورفضوا‏ '‏اجتثاث‏ ‏البعث‏' ‏وأعضائه‏ ‏دون‏ ‏تمييز‏ ‏بين‏ ‏من‏ ‏ارتكبوا‏ ‏جرائم‏ ‏ومن‏ ‏انتسبوا‏ ‏إلى‏ ‏هذا‏ ‏الحزب‏ ‏ليحموا‏ ‏أنفسهم‏ ‏من‏ ‏جرائم‏ ‏قد‏ ‏ترتكب‏ ‏في‏ ‏حقهم‏.‏ كان‏ ‏علاوي‏, ‏الذي‏ ‏يعرف‏ ‏العراق‏ ‏وشعبه‏ ‏جيدا‏, ‏مدركا‏ ‏أن‏ ‏الغالبية‏ ‏الساحقة‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏الشعب‏ ‏ارتاحوا‏ ‏للخلاص‏ ‏من‏ ‏النظام‏ ‏السابق‏ ‏بمن‏ ‏فيهم‏ ‏معظم‏ ‏المنتسبين‏ ‏إلى‏ ‏الحزب‏ ‏الذي‏ ‏فقد‏ ‏طابعه‏ ‏ومضمونه‏. ‏ولذلك‏ ‏وجد‏ ‏فرقا‏ ‏جوهريا‏ ‏بين‏ ‏حالتي‏ ‏البعث‏ ‏في‏ ‏العراق‏ ‏والحزب‏ ‏النازي‏, ‏وحذر‏ ‏من‏ ‏استنساخ‏ ‏تجربة‏ ‏ألمانيا‏ ‏بعد‏ ‏الحرب‏ ‏العالمية‏ ‏الثانية‏, ‏ومن‏ ‏تجاهل‏ ‏الفروق‏ ‏الكبيرة‏ ‏بين‏ ‏حزب‏ ‏اختطفه‏ ‏صدام‏ ‏حسين‏ ‏وزمرة‏ ‏من‏ ‏المجرمين‏ ‏امتطوه‏ ‏لتحقيق‏ ‏هيمنة‏ ‏بدأت‏ ‏عشائرية‏ ‏وتحولت‏ ‏عائلية‏, ‏وحزب‏ ‏جعله‏ ‏هتلر‏ ‏قبلة‏ ‏لعدد‏ ‏كبير‏ ‏من‏ ‏الألمان‏ ‏المؤمنين‏ ‏بتفوق‏ ‏بلادهم‏ ‏وبأنها‏ ‏تستحق‏ ‏أن‏ ‏تقود‏ ‏العالم‏ ‏لا‏ ‏أن‏ ‏تمتهن‏ ‏كرامتها‏ ‏ويسلب‏ ‏جزء‏ ‏من‏ ‏أرضها‏ ‏في‏ ‏تسويات‏ ‏ما‏ ‏بعد‏ ‏الحرب‏ ‏العالمية‏ ‏الأولي‏. ‏
فقد‏ ‏تعرض‏ ‏حزب‏ ‏البعث‏ ‏إلى‏ ‏عملية‏ ‏سطو‏ ‏لا‏ ‏مثيل‏ ‏لها‏ ‏في‏ ‏تاريخ‏ ‏الأحزاب‏ ‏السياسية‏ ‏في‏ ‏العالم‏, ‏حيث‏ ‏خطفته‏ ‏عصابة‏ ‏بلا‏ مبادئ ‏أو‏ ‏قيم‏, ‏ففقد‏ ‏مضمونه‏ ‏وطابعه‏ ‏السياسي‏ ‏والعقائدي‏ ‏الذي‏ ‏جذب‏ ‏إليه‏ ‏أعدادا‏ ‏كبيرة‏ ‏من‏ ‏الشباب‏ ‏المتحمس‏ ‏في‏ ‏أواخر‏ ‏أربعينيات‏ ‏وأوائل‏ ‏خمسينيات‏ ‏القرن‏ ‏الماضي‏. ‏ولذلك‏ ‏صارت‏ ‏كراهية‏ ‏العراقيين‏ ‏لكلمة‏ ‏البعث‏ ‏كافية‏ ‏تماما‏ ‏لا‏ ‏تترك‏ ‏حاجة‏ ‏إلى‏ ‏أي‏ ‏إجراء‏ ‏استثنائي‏ ‏ضد‏ ‏من‏ انتسبوا ‏إليه‏. ‏
ولكل‏ ‏ذلك‏, ‏تبني‏ ‏علاوي‏ ‏وحركته‏ ‏موقفا‏ ‏عقلانيا‏ ‏تجاه‏ ‏الظاهرة‏ ‏البعثية‏, ‏مما‏ ‏أدي‏ ‏إلى‏ ‏تصاعد‏ ‏الخلاف‏ ‏بينه‏ ‏وبين‏ ‏سلطة‏ ‏الاحتلال‏ ‏التي‏ ‏رفضت‏ ‏الاستماع‏ ‏إلى‏ ‏أي‏ ‏نصح‏ ‏إلى‏ ‏أن‏ ‏اضطرها‏ ‏تدهور‏ ‏الأوضاع‏ ‏الأمنية‏ ‏إلى‏ ‏مراجعة‏ ‏موقفها‏ ‏الذي‏ ‏ورطها‏ ‏فيه‏ ‏بعض‏ ‏العراقيين‏ ‏الذين‏ ‏افتقدوا‏ ‏الأمانة‏. ‏فقد‏ ‏أدرك‏ ‏بريمر‏ ‏متأخرا‏ ‏مدي‏ ‏الخطأ‏ ‏الذي‏ ‏ارتكبه‏ ‏عندما‏ ‏رفض‏ ‏الموقف‏ ‏العقلاني‏ ‏الذي‏ ‏دعا‏ ‏إليه‏ ‏علاوي‏, ‏وبدأ‏ ‏في‏ ‏تصحيحه‏ ‏عبر‏ ‏إعادة‏ ‏عدد‏ ‏يعتد‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏الضباط‏ ‏والموظفين‏ ‏السابقين‏. ‏فقد‏ ‏بات‏ ‏واضحا‏, ‏أن‏ ‏التراجع‏ ‏عن‏ ‏سياسة‏ ‏اجتثاث‏ ‏البعثيين‏ ‏دون‏ ‏تمييز‏ ‏شرط‏ ‏لا‏ ‏غني‏ ‏عنه‏ ‏لوقف‏ ‏التدهور‏ ‏الأمني‏. ‏وربما‏ ‏كان‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏أحد‏ ‏العوامل‏ ‏التي‏ ‏رجحت‏ ‏كفة‏ ‏علاوي‏ ‏رئيسا‏ ‏للحكومة‏ ‏المؤقتة‏ ‏باعتباره‏ ‏الوحيد‏ ‏الذي‏ ‏يستطيع‏ ‏تصحيح‏ ‏الأخطاء‏ ‏التي‏ ‏ترتبت‏ ‏علي‏ ‏تلك‏ ‏السياسة‏, ‏فضلا‏ ‏عما‏ ‏يمتلكه‏ ‏من‏ ‏قدرة‏ ‏علي‏ ‏تشكيل‏ ‏وإدارة‏ ‏فريق‏ ‏حكومي‏ ‏متعدد‏ ‏المنابت‏ ‏والمشارب‏. ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏استمر‏ ‏القلق‏ ‏العربي‏ ‏في‏ ‏أوساط‏ ‏معظم‏ ‏المثقفين‏ ‏والسياسيين‏ ‏في‏ ‏العالم‏ ‏العربي‏. ‏فقد‏ ‏اكتسب‏ ‏مصطلح‏ '‏اللبننة‏' ‏معني‏ ‏سلبيا‏, ‏بل‏ ‏مأساويا‏ ‏بشكل‏ ‏أو‏ ‏بآخر‏, ‏منذ‏ ‏نشوب‏ ‏الحرب‏ ‏الأهلية‏ ‏في‏ ‏لبنان‏ ‏عام‏ 1975. ‏وحدث‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏السياق‏ اختزال ‏للصيغة‏ ‏اللبنانية‏ ‏في‏ ‏طائفية‏ ‏مقيتة‏ ‏توصف‏ ‏عادة‏ ‏بأنها‏ ‏آفة‏ ‏من‏ ‏آفات‏ ‏التخلف‏ ‏ومصدر‏ ‏كل‏ ‏المصائب‏ ‏التي‏ ‏حلت‏ ‏بهذا‏ ‏البلد‏ ‏كما‏ ‏سبقت‏ ‏الإشارة‏.‏
ومثل‏ ‏كل‏ اختزال ‏لأي‏ ‏ظاهرة‏ ‏مركبة‏, ‏ينطوي‏ ‏هذا‏ ‏الحكم‏ ‏علي‏ ‏ظلم‏ ‏بين‏، ‏فالصيغة‏ ‏الطائفية‏ ‏التي‏ ‏قام‏ ‏عليها‏ ‏الكيان‏ ‏اللبناني‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏هي‏ ‏السبب‏ ‏الأول‏ ‏وراء‏ ‏كارثة‏ ‏الحرب‏ ‏الأهلية‏, ‏بل‏ ‏الأعباء‏ ‏الفادحة‏ ‏التي‏ ‏فرضت‏ ‏عليها‏ ‏من‏ ‏جراء‏ ‏الصراع‏ ‏العربي‏- ‏الإسرائيلي‏ ‏والوجود‏ ‏الفلسطيني‏ ‏المسلح‏ ‏في‏ ‏لبنان‏.‏ فثمة‏ ‏ضرورة‏ ‏الآن‏ ‏لتقويم‏ ‏أكثر‏ ‏موضوعية‏ ‏للصيغة‏ ‏اللبنانية‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏ترشيد‏ ‏الجدل‏ ‏العام‏ ‏الذي‏ ‏بدأ‏ ‏في‏ ‏الربط‏ ‏بينها‏ ‏وبين‏ ‏الصيغة‏ ‏العراقية‏ ‏الآخذة‏ ‏في‏ ‏التشكل‏. ‏فالأرجح‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الربط‏ ‏سيؤثر‏ ‏بقوة‏ ‏في‏ ‏الجدل‏ ‏حول‏ ‏النظام‏ ‏السياسي‏ ‏العراقي‏ ‏الجديد‏ ‏بالرغم‏ ‏من‏ ‏وجود‏ ‏فرق‏ ‏أساسي‏ ‏هو‏ ‏أن‏ ‏الطابع‏ ‏الطائفي‏ - ‏العرقي‏ ‏لتركيب‏ ‏السلطة‏ ‏في‏ ‏العراق‏ ‏سيكون‏ ‏ضمنيا‏ ‏وليس‏ ‏صريحا‏, ‏وبالتالي‏ ‏يسهل‏ ‏تجاوزه‏ ‏تدريجيا‏ ‏بمقدار‏ ‏ما‏ ‏يحدث‏ ‏من‏ ‏تقدم‏ ‏باتجاه‏ ‏تغليب‏ ‏التفاعلات‏ ‏السياسية‏ ‏الحزبية‏ ‏علي‏ ‏التفاعلات‏ ‏الاجتماعية‏ ‏التي‏ ‏تلعب‏ ‏فيها‏ ‏العوامل‏ ‏الطائفية‏ ‏والعرقية‏ ‏والعشائرية‏ ‏الدور‏ ‏الأساسي‏.‏
ستظل‏ ‏الصيغة‏ ‏اللبنانية‏, ‏إذن‏, ‏حاضرة‏ ‏تلقي‏ ‏بظلالها‏ ‏علي‏ ‏أي‏ ‏مناقشة‏ ‏لمستقبل‏ ‏العراق‏. ‏وأخطر‏ ‏ما‏ ‏في‏ ‏الأمر‏ ‏هو‏ ‏حضورها‏ ‏في‏ ‏صورة‏ ‏شديدة‏ ‏السلبية‏ ‏مرسومة‏ ‏لها‏ ‏لا‏ ‏تعبر‏ ‏عن‏ ‏حقيقتها‏. ‏ولا‏ ‏يعني‏ ‏ذلك‏ ‏بالضرورة‏ ‏أنها‏ ‏شديدة‏ ‏الإيجابية‏. ‏فقد‏ ‏كانت‏ ‏هذه‏ ‏الصيغة‏ ‏هي‏ ‏الوحيدة‏ ‏التي‏ ‏أمكن‏ ‏التفاهم‏ ‏عليها‏ ‏في‏ ‏مجتمع‏ ‏متعدد‏ ‏الطوائف‏ ‏متنوع‏ الانتماءات. ‏
ونحن‏ ‏ننسي‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الصيغة‏ ‏خلقت‏ ‏النظام‏ ‏الديمقراطي‏ ‏الوحيد‏ ‏الذي‏ ‏كان‏ ‏قائما‏ ‏في‏ ‏العالم‏ ‏العربي‏ ‏في‏ ‏خمسينيات‏ ‏وستينيات‏ ‏القرن‏ ‏الماضي‏. ‏صحيح‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الصيغة‏ ‏لم‏ ‏تعصم‏ ‏لبنان‏ ‏من‏ ‏محنة‏ ‏الحرب‏ ‏الأهلية‏. ‏ولكن‏ ‏مسئوليتها‏ ‏عن‏ ‏هذه‏ ‏المحنة‏ ‏هي‏ ‏أقل‏ ‏بكثير‏ ‏من‏ ‏مسئولية‏ ‏العامل‏ ‏الإقليمي‏ ‏وضغوطه‏ ‏التي‏ ‏فرضت‏ ‏علي‏ ‏لبنان‏ ‏أن‏ ‏يتحمل‏ ‏حربا‏ ‏بديلة‏ ‏حول‏ ‏فلسطين‏ ‏دارت‏ ‏علي‏ ‏أرضه‏ ‏بعد‏ ‏هزيمة‏ عام 1967 ‏ثم‏ ‏طرد‏ ‏المقاومة‏ ‏الفلسطينية‏ ‏من‏ ‏الأردن‏ ‏عام‏ 1970 . ‏فكان‏ ‏لبنان‏ ‏هو‏ ‏البلد‏ ‏العربي‏ ‏الوحيد‏ ‏الذي‏ ‏فرض‏ ‏عليه‏ ‏فتح‏ ‏حدوده‏ ‏للعمليات‏ ‏الفلسطينية‏ ‏المسلحة‏ ‏التي‏ ‏كانت‏ ‏مدخلا‏ لازدياد ‏نفوذ‏ ‏منظمة‏ ‏التحرير‏ ‏علي‏ ‏أرضه‏ ‏إلى‏ ‏حد‏ ‏أنها‏ ‏صارت‏ ‏بمثابة‏ ‏دولة‏ ‏داخل‏ ‏الدولة‏. ‏وكان‏ ‏في‏ ‏عبارة‏ جمهورية‏ ‏الفاكهاني ‏التي‏ ‏شاع‏ ‏استخدامها‏ ‏حينئذ‏ كتعبير‏ ‏رمزي‏ ‏مكثف‏ ‏عن‏ المدى ‏الذي‏ ‏بلغه‏ ‏نفوذ‏ ‏منظمة‏ ‏التحرير‏ ‏وما‏ ‏أدي‏ ‏إليه‏, ‏بالتالي‏, ‏من‏ ‏إخلال‏ ‏بالتوازن‏ ‏الدقيق‏ ‏الذي‏ ‏قامت‏ ‏علي‏ ‏أساسه‏ ‏الصيغة‏ ‏اللبنانية‏. ‏فقد‏ ‏تحالفت‏ ‏المنظمة‏ ‏مع‏ '‏الحركة‏ ‏الوطنية‏ ‏اللبنانية‏' ‏ذات‏ ‏التوجهات‏ ‏اليسارية‏ ‏التي‏ ‏كانت‏ ‏تستند‏ ‏إلى‏ ‏الشارع‏ ‏المسلم‏ ‏الأمر‏ ‏الذي‏ ‏أثار‏ ‏قلق‏ ‏القوي‏ ‏المارونية‏ ‏التي‏ ‏أدركت‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏التحالف‏ ‏سيغير‏ ‏التركيب‏ الاجتماعي ‏الذي‏ ‏قامت‏ ‏علي‏ ‏أساسه‏ ‏صيغة‏ ‏الميثاق‏ ‏الوطني‏.‏
وكانت‏ ‏أزمة عام‏ 1969 ‏بمثابة‏ ‏جرس‏ ‏إنذار‏ ‏لم‏ ‏ينتبه‏ ‏إليه‏ ‏أحد‏. ‏فقد‏ ‏بدأت‏ ‏هذه‏ ‏الأزمة‏ ‏في‏ ‏أبريل‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏العام‏ ‏عندما‏ ‏حاولت‏ ‏السلطات‏ ‏اللبنانية‏ ‏فرض‏ ‏بعض‏ ‏القيود‏ ‏علي‏ ‏العمل‏ ‏الفدائي‏ ‏الفلسطيني‏ ‏في‏ ‏جنوب‏ ‏لبنان‏ ‏سعيا‏ ‏إلى‏ ‏حماية‏ ‏التوازن‏ ‏الطائفي‏ ‏وتجنب‏ الاعتداءات ‏الإسرائيلية‏ ‏التي‏ ‏تصاعدت‏ ‏في‏ ‏تلك‏ ‏الفترة‏ ‏ردا‏ ‏علي‏ ‏العمليات‏ ‏المسلحة‏ ‏عبر‏ ‏الحدود‏. ‏فردت‏ '‏الحركة‏ ‏الوطنية‏' ‏بتعبئة‏ ‏جماهير‏ ‏المخيمات‏ ‏الفلسطينية‏ ‏وقطاع‏ ‏يعتد‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏أنصارها‏ ‏في‏ ‏الشارع‏ ‏المسلم‏ ‏لتنظيم‏ ‏مظاهرات‏ ‏حاشدة‏ ‏تطورت‏ ‏إلى‏ ‏صدام‏ ‏مع‏ ‏قوات‏ ‏الأمن‏ ‏في‏ ‏صيدا‏ ‏وبيروت‏ ‏وطرابلس‏. ‏واستمرت‏ ‏الأزمة‏ ‏حتى‏ ‏نوفمبر‏ ‏من‏ ‏العام‏ ‏نفسه‏ ‏عندما‏ ‏نجحت‏ ‏وساطة‏ ‏مصرية‏ ‏في‏ ‏تهدئتها‏. ‏ولكن‏ ‏بقيت‏ ‏النار‏ ‏تحت‏ ‏الرماد‏ ‏حتى‏ ‏أشعلت‏ ‏الحرب‏ ‏الأهلية‏ ‏بعد‏ ‏أقل‏ ‏من‏ ‏ستة‏ ‏أعوام‏.‏
فلم‏ ‏يكن‏ ‏ممكنا‏ ‏أن‏ ‏تتحمل‏ ‏صيغة‏ ‏التوازن‏ ‏اللبناني‏ ‏تغييرا‏ ‏جوهريا‏ ‏حدث‏ ‏علي‏ ‏الأرض‏ ‏وبقوة‏ ‏السلاح‏. ‏فقد‏ ‏استندت‏ ‏إلى‏ ‏اتفاق‏ ‏عبر‏ ‏عن‏ ‏تراض‏ ‏عام‏ ‏يعتبر‏ ‏شرطا‏ ‏لاستمرارها‏. ‏فإذا‏ ‏حدث‏ ‏ما‏ ‏يخل‏ ‏بهذا‏ ‏الاتفاق‏ ‏وانتهي‏ التراضي ‏العام‏ ‏صار‏ انهيارها ‏محتوما‏, ‏مثلها‏ ‏في‏ ‏ذلك‏ ‏مثل‏ ‏أي‏ ‏صيغة‏ ‏لنظام‏ ‏سياسي‏ ‏يقوم‏ ‏علي‏ ‏تفاهم‏ ‏معين‏ ‏بشأن‏ ‏توزيع‏ ‏السلطة‏ ‏فيه‏, ‏في‏ ‏إطار‏ ‏نموذج‏ ‏الديمقراطية‏ ‏التوافقية‏. ‏ولــم‏ ‏يكــن‏ ‏النظــام‏ ‏اللبنانــي‏ ‏فريــدا‏ ‏فــي‏ ‏هــــذا‏ ‏المجال‏. ‏فالطائفية‏ ‏السياسية‏ ‏التي‏ ‏قام‏ ‏علي‏ ‏أساسها‏ ‏هي‏ ‏أحد‏ ‏أشكال‏ ‏نمط‏ ‏الديموقراطية‏ ‏التوافقية‏ ‏التي‏ ‏نجد‏ ‏تطبيقات‏ ‏متباينة‏ ‏لها‏ ‏في‏ ‏بعض‏ ‏الدول‏ ‏المنقسمة‏ ‏دينيا‏ ‏أو‏ ‏طائفيا‏ ‏أو‏ ‏مذهبيا‏ ‏أو‏ ‏عرقيا‏ ‏أو‏ ‏لغويا‏. ‏وتنصرف‏ ‏فكرة‏ ‏هذا‏ ‏النمط‏ ‏إلى‏ ‏إيجاد‏ ‏صيغة‏ ‏تقلل‏ ‏من‏ ‏الاستقطاب‏, ‏وبالتالي‏ ‏تحول‏ ‏دون‏ ‏حدوث‏ ‏عنف‏ ‏أهلي‏ ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏ضمان‏ ‏معدلات‏ ‏متوافق‏ ‏عليها‏ ‏لمشاركة‏ ‏وتمثيل‏ ‏الجماعات‏ ‏الاجتماعية‏ ‏المتعددة‏ ‏بكل‏ ‏ما‏ ‏بينها‏ ‏من‏ ‏اختلاف‏.‏
وقد‏ ‏رأينا‏ ‏في‏ ‏الجزء‏ ‏الأول‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏الدراسة‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏هناك‏ ‏صيغات‏ ‏أبعد‏ ‏من‏ ‏التوافق‏ ‏علي‏ ‏حصص‏ ‏معينة‏ ‏أو‏ ‏مواقع‏ ‏محددة‏ ‏للجماعات‏ ‏الأساسية‏ ‏أو‏ ‏الفاعليات‏ ‏الأكثر‏ ‏قوة‏. ‏فهناك‏ ‏علي‏ ‏سبيل‏ ‏المثال‏ ‏صيغة‏ '‏الفيتو‏ ‏التبادلي‏' ‏بين‏ ‏ممثلي‏ ‏هذه‏ ‏الجماعات‏ ‏في‏ ‏البرلمان‏ ‏عندما‏ ‏يتعلق‏ ‏الأمر‏ ‏بقضايا‏ ‏تثير‏ ‏حساسيات‏ ‏خاصة‏. ‏والمقصود‏ ‏بذلك‏ ‏أن‏ ‏البرلمان‏ ‏لا‏ ‏يصدر‏ ‏تشريعا‏ ‏يتعلق‏ ‏بهذه‏ ‏القضايا‏ ‏إلا‏ ‏بتأييد‏ ‏أغلبية‏ ‏أعضاء‏ ‏الهيئة‏ ‏البرلمانية‏ ‏لكل‏ ‏من‏ ‏هذه‏ ‏الجماعات‏ ‏علي‏ ‏حدة‏. ‏فلا‏ ‏يكفي‏ ‏حصول‏ ‏التشريع‏ ‏علي‏ ‏تأييد‏ ‏أغلبية‏ ‏أعضاء‏ ‏البرلمان‏ ‏في‏ ‏مجمله‏ ‏حيث‏ ‏لا‏ ‏يصبح‏ ‏نافذا‏ ‏إذا‏ ‏عارضته‏ ‏أغلبية‏ ‏في‏ ‏الهيئة‏ ‏البرلمانية‏ لإحدى ‏الجماعات‏ ‏التي‏ ‏يؤثر‏ ‏هذا‏ ‏التشريع‏ ‏علي‏ ‏أوضاعها‏ ‏حتى‏ ‏إذا‏ ‏حاز‏ ‏الأغلبية‏ ‏العامة‏.‏
وكان‏ ‏هذا‏ ‏النمط‏ ‏مرجعا‏ ‏للفعاليات‏ ‏الكردية‏ ‏التي‏ ‏أصرت‏ ‏علي‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏لمحافظاتها‏ ‏الأساسية‏ ‏الثلاث‏ ‏حق‏ ‏الفيتو‏ ‏عند‏ ‏التصويت‏ ‏علي‏ ‏مشروع‏ ‏الدستور‏ ‏الدائم‏, ‏بحيث‏ ‏لا‏ ‏يقر‏ ‏هذا‏ ‏الدستور‏ ‏عند‏ ‏التصويت‏ ‏عليه‏ ‏إذا‏ ‏رفضه‏ ‏ثلثا‏ ‏السكان‏ ‏في‏ ‏هذه‏ ‏المحافظات‏. ‏وتم‏ ‏تضمين‏ ‏ذلك‏ ‏في‏ ‏قانون‏ ‏الإدارة‏ ‏أو‏ ‏الدستور‏ ‏المؤقت‏, ‏وأصبح‏ ‏هذا‏ ‏النص‏ ‏هو‏ ‏الأكثر‏ ‏تعرضا‏ ‏للانتقاد‏ ‏والطعن‏ ‏خصوصا‏ ‏من‏ ‏الفاعليات‏ ‏الشيعية‏ ‏التي‏ ‏تتصرف‏ ‏من‏ ‏منطلق‏ ‏أنها‏ ‏تمثل‏ ‏الأغلبية‏ ‏في‏ ‏المجتمع‏ ‏العراقي‏ ‏وترفض‏ ‏بالتالي‏ ‏سلب‏ ‏هذه‏ ‏الأغلبية‏ ‏حقها‏. ‏ولكنها‏ ‏اضطرت‏ ‏للقبول‏ ‏بهذا‏ ‏النص‏ ‏علي‏ ‏مضض‏. ‏ولذلك‏ ‏فعندما‏ ‏كان‏ ‏مجلس‏ ‏الأمن‏ ‏الدولي‏ ‏يناقش‏ ‏مشروع‏ ‏قراره‏ ‏رقم‏ 1546 ‏في‏ ‏أوائل‏ ‏يونيو‏ 2004, ‏أرسلت‏ ‏المرجعية‏ ‏العليا‏ ‏للشيعة‏ ‏في‏ ‏العراق‏ ‏ممثلة‏ ‏في‏ ‏السيد‏ ‏علي‏ ‏السيستاني‏ ‏رسالة‏ ‏إلى‏ ‏المجلس‏ ‏طالبت‏ ‏فيها‏ ‏بعدم‏ ‏ذكر‏ ‏قانون‏ ‏الإدارة‏ ‏المؤقت‏ ‏في‏ ‏القرار‏ ‏الجديد‏. ‏وقد‏ ‏أخذ‏ ‏المجلس‏ ‏بذلك‏ ‏بالفعل‏, ‏الأمر‏ ‏الذي‏ ‏أثار‏ ‏امتعاضا‏ ‏قويا‏ ‏في‏ ‏أوساط‏ ‏الأكراد‏ ‏إلى‏ ‏حد‏ ‏أن‏ ‏بعض‏ ‏قادتهم‏ ‏هددوا‏ ‏بالانسحاب‏ ‏من‏ ‏الحكومة‏ ‏المؤقتة‏ ‏التي‏ ‏نقلت‏ إليها ‏السيادة‏ ‏علي‏ ‏العراق‏ ‏في‏ 30 ‏يونيو‏ 2004 . ‏ولكن‏ ‏أمكن‏ ‏عبور‏ ‏هذه‏ ‏الأزمة‏, ‏دون‏ ‏أن‏ ‏يعني‏ ‏ذلك‏ ‏تجاوز‏ ‏الخلاف‏ ‏حول‏ ‏صيغة‏ ‏التراضي‏ ‏المشروط‏ ‏التي‏ ‏يمكن‏ ‏الاتفاق‏ ‏عليها‏ ‏عند‏ ‏إعداد‏ ‏الدستور‏ ‏الدائم‏. ‏وهذه‏ ‏هي‏ ‏القضية‏, ‏لأن‏ ‏الديمقراطية‏ ‏التوافقية‏ ‏تقوم‏ ‏علي‏ ‏القبول‏ ‏المتبادل‏ ‏بكل‏ ‏شيء‏ ‏بما‏ ‏في‏ ‏ذلك‏ ‏حق‏ ‏الفيتو‏ ‏عندما‏ ‏تكون‏ ‏هناك‏ ‏ضرورة‏ ‏له‏. ‏ولكن‏ ‏الفيتو‏ ‏الكردي‏ ‏يعطي‏ ‏الحق‏ ‏في‏ ‏الاعتراض‏ ‏لطرف‏ ‏واحد‏ ‏وليس‏ ‏بالتبادل‏. ‏وهذا‏ ‏جائز‏ ‏في‏ ‏الديمقراطية‏ ‏التوافقية‏ ‏بشرط‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏مقبولا‏ ‏لدي‏ ‏الأطراف‏ الأخرى.‏
فالمشكلة‏, ‏إذن‏, ‏ليست‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏النمط‏ ‏التوافقي‏ ‏في‏ ‏حد‏ ‏ذاته‏, ‏بل‏ ‏في‏ ‏إساءة‏ ‏تطبيقه‏ ‏عبر‏ ‏إحلال‏ ‏الإرغام‏ ‏محل‏ ‏التوافق‏. ‏فالمنطق‏ ‏الذي‏ ‏يقوم‏ ‏عليه‏ ‏هذا‏ ‏النمط‏ ‏هو‏ ‏بناء‏ ‏الثقة‏ ‏بين‏ ‏الجماعات‏ الاجتماعية ‏والفعاليات‏ ‏الأساسية‏ ‏في‏ ‏المجتمع‏ ‏وإنهاء‏ ‏المخاوف‏ ‏المتبادلة‏ ‏بينها‏ ‏أو‏ ‏مخاوف‏ ‏بعضها‏ ‏من‏ ‏البعض‏ ‏الآخر‏. ‏فهذه‏ ‏المخاوف‏ ‏هي‏ ‏أحد‏ ‏أهم‏ ‏مصادر‏ ‏تأجيج‏ ‏الصراع‏ ‏في‏ ‏المجتمع‏ ‏لأنها‏ ‏تدفع‏ ‏إلى‏ الانغلاق ‏واشتداد‏ ‏العصبيات‏. ‏ولذلك‏ ‏يتم‏ ‏التوافق‏ ‏علي‏ ‏عدم‏ ‏الأخذ‏ ‏بالأغلبية‏ ‏العددية‏ ‏في‏ ‏المجتمع‏ ‏كله‏ ‏في‏ ‏القضايا‏ ‏التي‏ ‏تثير‏ ‏حساسيات‏ ‏خاصة‏ ‏أو‏ ‏مخاوف‏ ‏حادة‏ لإحدى ‏الجماعات‏ حتى ‏لا‏ ‏تهدر‏ ‏الأغلبية‏ ‏التي‏ ‏تنتمي‏ ‏إلى‏ ‏جماعة‏ اجتماعية ‏معينة‏ (‏الشيعة‏ ‏العرب‏ ‏في‏ ‏حالة‏ ‏العراق‏) ‏حقا‏ ‏للأقلية‏ ‏التي‏ ‏تنتمي‏ ‏إلى‏ ‏جماعة‏ ‏أخري‏ (‏الأكراد‏ ‏في‏ ‏هذه‏ ‏الحالة‏). ‏وهذا‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏سعي‏ ‏الأكراد‏ ‏إليه‏, ‏ولكن‏ ‏لم‏ ‏يتيسر‏ ‏التوافق‏ ‏عليه‏ ‏فتشددوا‏ ‏في‏ ‏موقفهم‏ ‏إلى‏ ‏حد‏ ‏جعل‏ ‏إقرار‏ ‏مشروع‏ ‏الدستور‏ ‏المؤقت‏ ‏رهنا‏ ‏باستجابة‏ ‏الشيعة‏ ‏والسنة‏ ‏العرب‏ ‏إلى‏ ‏مطلبهم‏ ‏الخاص‏ ‏بمنح‏ ‏محافظاتهم‏ ‏الرئيسة‏ ‏حق‏ ‏الفيتو‏ ‏عند‏ ‏التصويت‏ ‏علي‏ ‏مشروع‏ ‏الدستور‏ ‏الدائم‏.‏
ولم‏ ‏يواجه‏ ‏اللبنانيون‏ ‏مثل‏ ‏هذه‏ ‏المشكلة‏ ‏عند‏ ‏إصدار‏ ‏الميثاق‏ ‏الوطني‏ ‏الذي‏ ‏قنن‏ ‏صيغة‏ ‏الطائفية‏ ‏السياسية‏ ‏عام‏ 1943، ‏فقد‏ ‏تم‏ ‏إقرار‏ ‏ذلك‏ ‏الميثاق‏ ‏عبر‏ ‏توافق‏ ‏حقيقي‏ ‏متبادل‏. ‏وهذا‏ ‏فرق‏ ‏آخر‏ ‏بين‏ ‏الصيغة‏ ‏العراقية‏ ‏الأخذة‏ ‏في‏ ‏التشكل‏ ‏والصيغة‏ ‏اللبنانية‏.‏
وبالرغم‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏الوضع‏ ‏في‏ ‏العراق‏ ‏الآن‏ ‏أكثر‏ ‏صعوبة‏ ‏مما‏ ‏كان‏ ‏عليه‏ ‏الحال‏ ‏في‏ ‏لبنان‏ ‏عند‏ ‏إقرار‏ ‏الميثاق‏ ‏الوطني‏, ‏فثمة‏ ‏فرصة‏ ‏لا‏ ‏بأس‏ ‏بها‏ ‏للوصول‏ ‏إلى‏ ‏صيغة‏ ‏توافقية‏ ‏تتيح‏ ‏التعايش‏ ‏والتفاعل‏ ‏في‏ ‏مجتمع‏ ‏شديد‏ ‏التنوع‏ ‏عبر‏ ‏التفاهم‏ ‏بين‏ ‏الفعاليات‏ ‏الرئيسة‏ ‏الشيعية‏ ‏والسنية‏ ‏العربية‏ ‏والكردية‏.‏
وإذا‏ ‏كان‏ ‏في‏ ‏إمكان‏ ‏باقي‏ ‏العرب‏ ‏أن‏ ‏يساعدوا‏ ‏العراقيين‏ ‏في‏ ‏ذلك‏ ‏فليفعلوا‏, ‏وإذا‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏في‏ ‏استطاعتهم‏ ‏تقديم‏ ‏العون‏ ‏فليكتفوا‏ ‏بكف‏ الأذى. وإحدى ‏صور‏ ‏هذا‏ الأذى ‏هي‏ ‏إثارة‏ ‏الإحباط‏ ‏واليأس‏ ‏في‏ ‏نفوس‏ ‏العراقيين‏ ‏عبر‏ ‏المبالغة‏ ‏في‏ ‏الربط‏ ‏بين‏ ‏الصيغة‏ ‏التي‏ ‏سيقوم‏ ‏عليها‏ ‏نظامهم‏ ‏السياسي‏ ‏الجديد‏ ‏والصيغة‏ ‏الطائفية‏ ‏اللبنانية‏ ‏التي‏ ‏أصبح‏ ‏ذكرها‏ ‏مخيفا‏ ‏بعد‏ ‏التشويه‏ ‏الذي‏ ‏تعرضت‏ ‏إليه‏ ‏منذ‏ ‏الحرب‏ ‏الأهلية‏.‏
فإذا‏ ‏كانت‏ ‏المقارنة‏ ‏مع‏ ‏لبنان‏ ‏ضرورية‏ ‏فلتقم‏ ‏علي‏ ‏أساس‏ ‏موضوعي‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏الهدف‏ ‏هو‏ ‏البناء‏ ‏وليس‏ ‏الهدم‏, ‏خصوصا‏ ‏أن‏ ‏المشهد‏ ‏العراقي‏ ‏عقب‏ ‏انهيار‏ ‏نظام‏ ‏صدام‏ ‏حسين‏ ‏بدا‏ ‏شديد‏ ‏التعقيد‏.‏


ثالثا‏: ‏تعقيدات‏ ‏المشهد‏ ‏العراقي‏ .. '‏المحاصصة‏' ‏والتكامل‏ ‏الاجتماعي‏
‏ ‏أثار‏ ‏مشهد‏ ‏ما‏ ‏بعد‏ ‏نظام‏ ‏صدام‏ ‏حسين‏ ‏خوفا‏ ‏وقلقا‏ ‏لما‏ ‏ينطوي‏ ‏عليه‏ ‏من‏ ‏تفتت‏ ‏وتبعثر‏ ‏طائفي‏ ‏وديني‏ ‏وعرقي‏ ‏وقومي‏ ‏وعشائري‏, ‏ولما‏ ‏حدث‏ ‏فيه‏ ‏من‏ ‏صدامات‏ ‏بين‏ ‏جماعات‏ ‏اجتماعية‏ ‏مختلفة‏ ‏من‏ ‏وقت‏ ‏إلى‏ ‏آخر‏. ‏ولذلك‏ ‏فالسؤال‏ ‏الذي‏ ‏تكرر‏ ‏في‏ ‏كثير‏ ‏من‏ ‏المناقشات‏ ‏والحوارات‏ ‏هو‏ : ‏هل‏ ‏يمكن‏ ‏بناء‏ ‏نظام‏ ‏عراقي‏ ‏جديد‏ ‏في‏ ‏ظل‏ ‏هذا‏ ‏التفتت‏ ‏الشديد‏ ‏بمعزل‏ ‏عن‏ '‏المحاصصة‏' ‏الإثنية‏, ‏وكيف‏ ‏؟‏ ‏إنه‏ ‏سؤال‏ ‏التكامل‏ ‏الاجتماعي‏ ‏أو‏ ‏الوطني National or Social Integration‏. ‏وهو‏ ‏يثار‏, ‏عادة‏, ‏في‏ ‏المجتمعات‏ ‏التي‏ ‏تعرف‏ ‏تنوعا‏ ‏وتعددا‏ ‏في‏ ‏الانتماءات‏, ‏ويثير‏ - ‏معه‏ - ‏قضية‏ ‏المواطنة‏ ‏التي‏ ‏تمثل‏ ‏حجر‏ ‏الأساس‏ ‏في‏ ‏تحقيق‏ ‏ذلك‏ ‏التكامل‏. ‏
فإذا‏ ‏أمكن‏ ‏إرساء‏ ‏مبدأ‏ ‏المواطنة‏ ‏علي‏ ‏أسس‏ ‏راسخة‏, ‏يمكن‏ ‏تحويل‏ ‏المخاطر‏ ‏المحتملة‏ ‏للتفتت‏ ‏والتبعثر‏ ‏إلى‏ ‏مكاسب‏ ‏أكيدة‏ ‏من‏ ‏جراء‏ ‏انتفاع‏ ‏المجتمع‏ ‏بإيجابيات‏ ‏التفاعل‏ ‏بين‏ ‏مكونات‏ ‏متنوعة‏ ‏لكل‏ ‏منها‏ ‏ما‏ ‏يقدمه‏. ‏فالتنوع‏ ‏يثري‏ ‏المجتمع‏, ‏وهذا‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏تهدف‏ ‏إليه‏ ‏سياسات‏ ‏التكامل‏ ‏التي‏ ‏تعتبر‏ ‏ضرورية‏ ‏سواء‏ ‏كان‏ ‏المجتمع‏ ‏موحدا‏ ‏أو‏ ‏شبه‏ ‏موحد‏ ‏في‏ ‏تكوينه‏ ‏أو‏ ‏كان‏ ‏متنوعا‏ ‏متعددا‏ ‏بدرجات‏ ‏مختلفة‏ ‏في‏ ‏العمق‏ ‏والمدى‏. ‏ويعني‏ ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏التكامل‏ ‏الاجتماعي‏ ‏أو‏ ‏الوطني‏ ‏بين‏ ‏فئات‏ ‏المجتمع‏ ‏هو‏ ‏الذي‏ ‏يعصم‏ ‏أي‏ ‏بلد‏ ‏من‏ ‏التمزق‏. ‏فإذا‏ ‏بدا‏ ‏هذا‏ ‏التكامل‏ ‏مفقودا‏ ‏في‏ ‏لحظة‏ ‏معينة‏ ‏تظهر‏ ‏الحاجة‏ ‏إلى‏ ‏صيغة‏ ‏تضمن‏ ‏عدم‏ ‏التمزق‏ ‏إلى‏ ‏أن‏ ‏يتم‏ ‏تحقيق‏ ‏التكامل‏. ‏فلا‏ ‏خوف‏ ‏علي‏ ‏تكامل‏ ‏المجتمع‏ ‏من‏ ‏صيغات‏ ‏التراضي‏ ‏المشروط‏ ‏بما‏ ‏في‏ ‏ذلك‏ ‏صيغة‏ ‏تقاسم‏ ‏السلطة‏ ‏وفق‏ ‏حصص‏ ‏معينة‏.‏
فمن‏ ‏طبائع‏ ‏الأمور‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏للإنسان‏, ‏أي‏ ‏إنسان‏, ‏انتماءات‏ ‏متعددة‏. ‏ينطبق‏ ‏هذا‏ ‏علي‏ ‏المصريين‏ ‏كما‏ ‏علي‏ ‏الألمان‏ ‏والأمريكيين‏ ‏والماليزيين‏ ‏وفي‏ ‏كل‏ ‏بلد‏ ‏من‏ ‏بلاد‏ ‏العالم‏. ‏وترتبط‏ ‏هذه‏ ‏الانتماءات‏ ‏بالمكان‏ ‏الصغير‏ ‏الذي‏ ‏يولد‏ ‏فيه‏ ‏الإنسان‏ ‏والدين‏ ‏الذي‏ ‏يعتنقه‏ ‏واللغة‏ ‏التي‏ ‏يتحدثها‏. ‏وقد‏ ‏يولد‏ ‏الإنسان‏ ‏في‏ ‏عائلة‏ ‏كبيرة‏ ‏ممتدة‏ ‏أو‏ ‏عشيرة‏ ‏متماسكة‏ ‏ينتمي‏ إليها ‏أيضا‏. ‏
والإنسان‏, ‏فوق‏ ‏هذا‏ ‏كله‏, ‏ينتمي‏ ‏إلى‏ ‏وطن‏. ‏والمفترض‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏هذا‏ ‏الانتماء‏ ‏الوطني‏ ‏جامعا‏ ‏لمختلف‏ ‏الانتماءات‏ ‏وليس‏ ‏متجاوزا‏ ‏لها‏ ‏بخلاف‏ ‏ما‏ ‏يعتقده‏ ‏البعض‏. ‏فالانتماء‏ ‏الوطني‏ - ‏من‏ ‏حيث‏ ‏هو‏ ‏انتماء‏ - ‏لا‏ ‏يتجاوز‏ ‏الانتماءات‏ الأخرى , ‏بل‏ ‏يشملها‏ ‏أو‏ ‏يتضمنها‏. ‏التجاوز‏ ‏يحدث‏ ‏في‏ ‏العلاقات‏ ‏والتفاعلات‏ ‏التي‏ ‏تقوم‏ ‏علي‏ ‏أساس‏ ‏الانتماء‏ ‏الوطني‏. ‏وبمقدار‏ ‏عمق‏ ‏الانتماء‏ ‏الوطني‏ ‏وتطور‏ ‏هياكل‏ ‏المجتمع‏, ‏تنحو‏ ‏العلاقات‏ ‏والتفاعلات‏ ‏لأن‏ ‏تشمل‏ ‏مواطنين‏ ‏من‏ ‏أديان‏ ‏وأعراق‏ ‏وعائلات‏ ‏متباينة‏. فالانتماء ‏الوطني‏ ‏لا‏ ‏يلغي‏ ‏إيمان‏ ‏الإنسان‏ ‏بدينه‏ ‏وعقيدته‏ ‏أو‏ ‏اعتزازه‏ ‏بمنطقة‏ ‏في‏ ‏وطنه‏ ‏نشأ‏ ‏فيها‏ ‏وبعائلة‏ ‏يفخر‏ ‏بالانتساب‏ ‏إليها‏ ‏وبلغة‏ ‏يحبها‏ ‏في‏ ‏البلاد‏ ‏التي‏ ‏تعرف‏ ‏تعددا‏ ‏لغويا‏, ‏وما‏ ‏إلى‏ ‏ذلك‏. ‏فالانتماء‏ ‏الوطني‏ ‏هو‏ ‏فوق‏ ‏هذه‏ ‏الانتماءات‏ ‏بمعني‏ ‏أنه‏ ‏يجمعها‏ ‏كلها‏ ‏في‏ ‏إطار‏ ‏واسع‏, ‏من‏ ‏خلال‏ ‏رابطة‏ ‏أكبر‏ ‏وأعم‏ ‏وأشمل‏ ‏تجمع‏ ‏كل‏ ‏أبناء‏ ‏الوطن‏ ‏بكل‏ ‏انتماءاتهم‏ ‏هذه‏, ‏وهي‏ ‏رابطة‏ ‏المواطنة‏. ‏فهي‏ ‏رابطة‏ ‏أكبر‏ ‏وأعم‏ ‏لأنها‏ ‏تخلق‏ ‏علاقات‏ ‏وتفاعلات‏ ‏علي‏ ‏أوسع‏ ‏نطاق‏ ‏تتكامل‏ ‏من‏ ‏خلالها‏ ‏عناصر‏ ‏ومكونات‏ ‏المجتمع‏. ‏ولذلك‏ ‏نقول‏ ‏إن‏ ‏هذه‏ ‏عملية‏ ‏تكامل‏ ‏اجتماعي‏ ‏أو‏ ‏وطني‏.‏
وهذه‏ ‏العملية‏ ‏لا‏ ‏تحدث‏ ‏تلقائيا‏ ‏بحيث‏ ‏يتطور‏ ‏المجتمع‏ ‏في‏ ‏اتجاه‏ ‏التكامل‏ ‏بشكل‏ ‏طبيعي‏ ‏إلا‏ ‏فيما‏ ‏قل‏. ‏ففي‏ ‏معظم‏ ‏الأحوال‏ ‏يحتاج‏ ‏تحقيق‏ ‏التكامل‏ ‏إلى‏ ‏فعل‏ ‏قصدي‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏سياسات‏ ‏عامة‏ ‏إما‏ ‏لتشجيعه‏ ‏والحفز‏ ‏عليه‏ ‏أو‏ ‏لمواجهة‏ ‏مشكلات‏ ‏أو‏ ‏صعوبات‏ ‏تعوقه‏ ‏أو‏ ‏تحول‏ ‏دون‏ ‏اكتماله‏. ‏ويتوقف‏ ‏الأمر‏ ‏علي‏ ‏مدي‏ ‏قوة‏ ‏العوامل‏ ‏التي‏ ‏تساعد‏ ‏في‏ ‏عملية‏ ‏التكامل‏, ‏وتلك‏ ‏التي‏ ‏لا‏ ‏تساعد‏ ‏أو‏ ‏تعوق‏ ‏هذه‏ ‏العملية‏. ‏
والقاعدة‏ ‏العامة‏ ‏هي‏ ‏أنه‏ ‏كلما‏ ‏كان‏ ‏المجتمع‏ ‏أكثر‏ ‏تقدما‏ ‏ازدادت‏ ‏العوامل‏ ‏المساعدة‏ ‏علي‏ ‏تحقيق‏ ‏التكامل‏ ‏وقلت‏ ‏العوامل‏ ‏المعوقة‏ ‏له‏. ‏ويقصد‏ ‏بالتقدم‏ ‏هنا‏ ‏تحقيق‏ ‏درجة‏ ‏كبيرة‏ ‏من‏ ‏التنمية‏ ‏في‏ ‏المجالات‏ ‏الأساسية‏ ‏وخصوصا‏ ‏الاقتصاد‏ (‏ارتفاع‏ ‏مؤشرات‏ ‏الأداء‏ ‏ومستوي‏ ‏الحياة‏) ‏والسياسة‏ (‏ارتفاع‏ ‏مستوي‏ ‏المشاركة‏), ‏والعلم‏ (‏بناء‏ ‏قاعدة‏ ‏علمية‏ ‏وتكنولوجية‏ ‏بشكل‏ ‏عام‏ ‏ودخول‏ ‏عصر‏ ‏الثورة‏ ‏الصناعية‏ ‏الثالثة‏ ‏أو‏ ‏الموجة‏ ‏الثالثة‏ ‏بشكل‏ ‏خاص‏). ‏ولكن‏ ‏هذه‏ ‏القاعدة‏ ‏ترد‏ ‏عليها‏ ‏استثناءات‏ ‏كثيرة‏. ‏فهناك‏ ‏مجتمعات‏ ‏تعتبر‏ ‏من‏ ‏بين‏ ‏الأكثر‏ ‏تقدما‏ ‏في‏ ‏العالم‏ ‏واجهت‏ ‏عملية‏ ‏التكامل‏ ‏فيها‏ ‏صعوبات‏ ‏هائلة‏ ‏اقتضت‏ ‏مواجهتها‏ ‏صوغ‏ ‏سياسات‏ ‏عامة‏ وإصدار ‏تشريعات‏ ‏علي‏ ‏مدي‏ ‏فترة‏ ‏طويلة‏ ‏من‏ ‏الزمن‏. ‏ويعتبر‏ ‏المجتمع‏ ‏الأمريكي‏ ‏مثالا‏ ‏واضحا‏ ‏لهذا‏ ‏النوع‏ ‏من‏ ‏المجتمعات‏ ‏المتقدمة‏ ‏التي‏ ‏واجهت‏ ‏صعوبات‏ ‏كبيرة‏ ‏في‏ ‏تحقيق‏ ‏التكامل‏. ‏وبالرغم‏ ‏من‏ ‏أنه‏ ‏أصبح‏ ‏أكثر‏ ‏تكاملا‏ ‏الآن‏ ‏مما‏ ‏كان‏ ‏عليه‏ ‏من‏ ‏قبل‏, ‏لم‏ ‏تصل‏ ‏عملية‏ ‏التكامل‏ ‏فيه‏ ‏إلى‏ ‏نهايتها‏.‏
وهناك‏, ‏في‏ ‏المقابل‏, ‏مجتمعات‏ ‏أقل‏ ‏تقدما‏ ‏مثل‏ ‏المجتمع الماليزي ‏حققت‏ ‏عملية‏ ‏التكامل‏ ‏فيها‏ ‏نجاحا‏ ‏ملموسا‏ ‏وإن‏ ‏بقيت‏ ‏فيها‏ ‏بعض‏ ‏المشكلات‏ ‏كما‏ ‏سبقت‏ ‏الإشارة‏. ‏والمهم‏ ‏هنا‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏النجاح‏ ‏تحقق‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏تحقق‏ ‏ماليزيا‏ إنجازها ‏الاقتصادي‏ ‏الكبير‏ ‏الذي‏ ‏جعلها‏ ‏أحد‏ ‏النمور‏ ‏الآسيوية‏. ‏فقد‏ ‏حققت‏ ‏تكاملا‏ ‏بدرجة‏ ‏معقولة‏ ‏بين‏ ‏أعراقها‏ ‏الثلاثة‏ ‏وهي‏ ‏المالاويون‏ ‏والصينيون‏ ‏والهنود‏, ‏وأديانها‏ ‏وهي‏ ‏الإسلام‏ ‏والبوذية‏ ‏والتاوية‏ ‏والهندوسية‏ ‏والمسيحية‏ ‏وفق‏ ‏الترتيب‏ ‏التنازلي‏( ). ‏وقد‏ ‏أخذنا‏ ‏هاتين‏ ‏الحالتين‏ ‏لأن‏ ‏المجتمع‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏منهما‏ ‏يعتبر‏ ‏من‏ ‏أكثر‏ ‏المجتمعات‏ ‏تنوعا‏ ‏في‏ ‏العالم‏. ‏إنهما‏ ‏من‏ ‏الحالات‏ ‏التي‏ ‏اقترن‏ ‏تحقيق‏ ‏التكامل‏ ‏فيها‏ ‏بإدراك‏ ‏هذا‏ ‏التنوع‏ ‏العرقي‏ ‏والديني‏ ‏والاعتراف‏ ‏به‏ ‏والسعي‏ ‏إلى‏ ‏مواجهة‏ ‏المشكلات‏ ‏المترتبة‏ ‏عليه‏, ‏بخلاف‏ ‏ما‏ ‏حدث‏ ‏في‏ ‏حالات‏ ‏أخري‏ ‏شهدت‏ ‏محاولات‏ ‏تحقيق‏ ‏تكامل‏ ‏قسري‏ ‏ ‏أو‏ ‏شكلي‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏التحايل‏ ‏علي‏ ‏هذه‏ ‏المشكلات‏ ‏وليس‏ ‏حلها‏.‏
والملاحظ‏ ‏أن‏ ‏هناك‏ ‏تفاوتا‏ ‏في‏ ‏مدي‏ ‏نجاح‏ ‏السياسات‏ ‏العامة‏ ‏الهادفة‏ ‏إلى‏ ‏تحقيق‏ ‏التكامل‏ ‏في‏ ‏إنجاز‏ ‏هذا‏ ‏الهدف‏. ‏ويتوقف‏ ‏ذلك‏ ‏علي‏ ‏مدي‏ ‏ما‏ ‏تحققه‏ ‏هذه‏ ‏السياسات‏ ‏علي‏ ‏صعيد‏ ‏توفير‏ ‏الشروط‏ ‏اللازمة‏ ‏للتكامل‏. ‏ولأن‏ ‏هذا‏ ‏التكامل‏ ‏يحدث‏ ‏بين‏ ‏بشر‏ ‏لكل‏ ‏منهم‏ ‏قيمه‏ ‏ونظرته‏ ‏الخاصة‏ ‏ويعيشون‏ ‏في‏ ‏مجتمع‏ ‏محدد‏, ‏فهناك‏ ‏شروط‏ ‏ثقافية‏ ‏واجتماعية‏ ‏ضرورية‏ ‏لتحقيق‏ ‏التكامل‏. ‏
فلنلق‏ ‏نظرة‏ ‏سريعة‏ ‏إذن‏ ‏علي‏ ‏أهم‏ ‏هذه‏ ‏الشروط‏.‏
1- ‏الشروط‏ ‏الثقافية‏ ‏للتكامل‏
المحور‏ ‏الأساسي‏ ‏في‏ ‏عملية‏ ‏التكامل‏ ‏الاجتماعي‏ ‏أو‏ ‏الوطني‏ ‏هو‏ ‏الطريقة‏ ‏التي‏ ‏يتصرف‏ ‏بها‏ ‏كل‏ ‏فرد‏ ‏تجاه‏ ‏غيره‏ ‏خصوصا‏ ‏الذي‏ ‏يختلف‏ ‏عنه‏ ‏في‏ ‏الدين‏ ‏أو‏ ‏العرق‏ ‏أو‏ ‏اللغة‏ ‏أو‏ ‏العائلة‏ ‏أو‏ ‏العشيرة‏. ‏وتتوقف‏ ‏طريقة‏ ‏التصرف‏ ‏هذه‏ ‏علي‏ ‏الاتجاهات‏ ‏التي‏ ‏يحملها‏ ‏الفرد‏ ‏تجاه‏ ‏كثير‏ ‏من‏ ‏الأمور‏ ‏في‏ ‏بلده‏. ‏وتقترن‏ ‏هذه‏ ‏الاتجاهات‏ ‏بمجموعة‏ ‏الرموز‏ ‏الثقافية‏ ‏والاجتماعية‏ ‏والسياسية‏ ‏التي‏ ‏تشكل‏ ‏نظام‏ ‏القيم‏ ‏أو‏ ‏المعتقدات‏ ‏وهذا‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏أدركه‏ ‏مفكرون‏ ‏وفلاسفة‏ ‏قدماء‏ ‏منذ‏ ‏العصر‏ ‏الإغريقي‏, ‏وتطور‏ ‏إدراكه‏ ‏في‏ ‏الفكر‏ ‏السياسي‏ ‏الحديث‏. ‏ولجابرييل‏ ‏الموند‏, ‏الذي‏ ‏كان‏ ‏رائدا‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏المضمار‏ ‏منذ‏ ‏أن‏ ‏استخدم‏ ‏تعبير‏ ‏الثقافة‏ ‏السياسية‏ ‏عام‏ 1956( ) ‏دراسة‏ ‏ممتعة‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏المجال‏ ‏نشرها‏ ‏عام‏ 1990.( )
فنظام‏ ‏القيم‏ ‏والمعتقدات‏ ‏يلعب‏ ‏دورا‏ ‏محوريا‏ ‏في‏ ‏تدعيم‏ ‏التكامل‏ ‏أو‏ ‏إعاقته‏. ‏وهذا‏ ‏النظام‏ ‏هو‏ ‏ما‏ ‏تعني‏ ‏به‏ ‏الآن‏ ‏الدراسات‏ ‏المتعلقة‏ ‏بمفهوم‏ ‏الثقافة‏ ‏السياسية‏. ‏وليس‏ ‏هذا‏ ‏مفهوما‏ ‏خاصا‏ ‏بالسياسة‏ ‏وحدها‏, ‏أو‏ ‏متعلقا‏ ‏باتجاهات‏ ‏الفرد‏ ‏تجاه‏ ‏قضايا‏ ‏السياسة‏ ‏فقط‏. ‏فهذا‏ ‏المفهوم‏ ‏تم‏ ‏تطويره‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏الاعتماد‏ ‏علي‏ ‏علوم‏ ‏اجتماعية‏ ‏أخري‏ ‏مثل‏ ‏علم‏ ‏الاجتماع‏ ‏وعلم‏ ‏النفس‏ ‏وعلم‏ ‏الأنثروبولوجيا‏, ‏وعبر‏ ‏الاستفادة‏ ‏من‏ ‏التقدم‏ ‏الذي‏ ‏حدث‏ ‏في‏ ‏أدوات‏ ‏البحث‏ ‏وجمع‏ ‏البيانات‏ ‏وخصوصا‏ ‏في‏ ‏أساليب‏ ‏المسح‏ ‏الاجتماعي‏ ‏واستبيانات‏ ‏الرأي‏ ‏العام‏.‏
وتعني‏ ‏الثقافة‏ ‏السياسية‏ ‏بالقيم‏ ‏التي‏ ‏يحملها‏ ‏الفرد‏ ‏علي‏ ‏كل‏ ‏صعيد‏ ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏أنماطه‏ ‏السلوكية‏ ‏لمعرفة‏ ‏طريقة‏ ‏تفكيره‏ ‏ونوعية‏ ‏تصرفه‏ ‏إزاء‏ ‏القضايا‏ ‏المختلفة‏ ‏وكيفية‏ إدارة ‏علاقاته‏ ‏في‏ ‏المجتمع‏. ‏إنها‏, ‏باختصار‏, ‏مجموعة‏ ‏الاتجاهات‏ ‏الذاتية‏ ‏تجاه‏ ‏السياسة‏ ‏والمجتمع‏ ‏في‏ ‏إطاره‏ ‏العام‏ ‏وفي‏ ‏جماعاته‏ ‏الفرعية‏, ‏ومجموعة‏ ‏الإدراكات‏ ‏والمشاعر‏ ‏والمواقف‏ ‏التي‏ ‏تحددها‏ ‏معارف‏ ‏الفرد‏ ‏ومعتقداته‏ ‏والتزاماته‏.‏
وتعاني‏ ‏بعض‏ ‏البلاد‏ ‏غير‏ ‏المتقدمة‏ ‏بصفة‏ ‏خاصة‏ ‏من‏ ‏مشكلة‏ ‏عشوائية‏ ‏أنماط‏ ‏القيم‏ ‏الثقافية‏. ‏فهناك‏ ‏ثقافة‏ ‏النخبة‏ ‏وثقافة‏ ‏الجماهير‏. ‏وثمة‏ ‏تباينات‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏من‏ ‏الثقافتين‏. ‏كما‏ ‏توجد‏ ‏ثقافة‏ ‏الشباب‏ ‏وثقافة‏ ‏الكبار‏. ‏وتنطوي‏ ‏كل‏ ‏منهما‏ ‏علي‏ ‏أنماط‏ ‏مختلفة‏ ‏ومتناقضة‏ ‏أيضا‏( ).
‏2- ‏الشروط‏ ‏الاجتماعية‏ ‏للتكامل‏
يقصد‏ ‏بهذه‏ ‏الشروط‏ ‏البيئة‏ ‏التي‏ ‏يوجد‏ ‏فيها‏ ‏الفرد‏ ‏وتأثيرها‏ ‏عليه‏. ‏فهل‏ ‏يتأثر‏ ‏أكثر‏ ‏ببيئة‏ ‏ضيقة‏ ‏ومغلقة‏ ‏محصورة‏ ‏في‏ ‏مجتمعه‏ ‏الصغير‏ ‏جغرافيا‏ ‏أو‏ ‏عرقيا‏ ‏أو‏ ‏عائليا‏ ‏أو‏ ‏دينيا‏, ‏أم‏ ‏بالبيئة‏ ‏الأوسع‏ ‏والأعم‏ ‏المتمثلة‏ ‏في‏ ‏المجتمع‏ ‏العام‏. ‏والمجتمع‏ ‏الصغير‏ ‏والمجتمع‏ ‏العام‏ ‏ليسا‏ ‏بديلين‏ ‏يلغي‏ ‏أحدهما‏ ‏الآخر‏, ‏لأن‏ ‏الانتماء‏ ‏الوطني‏ ‏لا‏ ‏يلغي‏ ‏الانتماءات‏ الأخرى ‏كما‏ ‏سبق‏ ‏توضيحه‏. ‏ولكن‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏الفرد‏ ‏مستغرقا‏ ‏في‏ ‏مجتمعه‏ ‏الصغير‏ ‏أو‏ ‏مكتفيا‏ ‏به‏ ‏أو‏ ‏معتمدا‏ ‏عليه‏ ‏في‏ ‏توفير‏ ‏الأمن‏ ‏أو‏ ‏الحماية‏ ‏له‏ ‏مثلا‏, ‏نكون‏ ‏إزاء‏ ‏شروط‏ ‏اجتماعية‏ ‏لا‏ ‏تساعد‏ ‏علي‏ ‏التكامل‏, ‏وبالتالي‏ ‏ينبغي‏ ‏تغييرها‏.‏
وهناك‏ ‏آليتان‏ ‏رئيستان‏ ‏لتوفير‏ ‏الشروط‏ ‏الاجتماعية‏ ‏للتكامل‏, ‏أو‏ ‏الحد‏ ‏من‏ ‏الشروط‏ ‏الاجتماعية‏ ‏غير‏ ‏المواتية‏ ‏له‏, ‏وهما‏ ‏توسيع‏ ‏المشاركة‏ ‏في‏ إدارة ‏الشأن‏ ‏العام‏, ‏وتدعيم‏ ‏دور‏ ‏المؤسسات‏ ‏الوسيطة‏. ‏وثمة‏ ‏علاقة‏ ‏وثيقة‏ ‏يصعب‏ ‏فصمها‏ ‏بين‏ ‏توسيع‏ ‏نطاق‏ ‏المشاركة‏ ‏وإيجاد‏ ‏المؤسسات‏ ‏الوسيطة‏ ‏وتحريرها‏ ‏أي‏ ‏جعلها‏ ‏أكثر‏ ‏حرية‏.‏
فالإنسان‏ ‏يشارك‏ ‏في‏ ‏أمور‏ ‏وطنه‏ ‏العامة‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏هذه‏ ‏المؤسسات‏ ‏سواء‏ ‏السياسية‏ ‏كالأحزاب‏ ‏أو‏ ‏النقابية‏ ‏أو‏ ‏الاجتماعية‏ ‏بأنواعها‏ ‏وأشكالها‏ ‏المختلفة‏ ‏والمتنوعة‏. ‏ومن‏ ‏الطبيعي‏ ‏أن‏ ‏يتسع‏ ‏نطاق‏ ‏المشاركة‏ ‏كلما‏ ‏ازدادت‏ ‏هذه‏ ‏المؤسسات‏ ‏وانتشرت‏ ‏وتنوعت‏ ‏بحيث‏ ‏تستطيع‏ ‏اجتذاب‏ ‏أكبر‏ ‏عدد‏ ‏ممكن‏ ‏من‏ ‏المواطنين‏ إليها. ‏فمن‏ ‏خلال‏ ‏هذه‏ ‏المشاركة‏ ‏يشعر‏ ‏الفرد‏ ‏بمواطنته‏ ‏أي‏ ‏بأنه‏ ‏مواطن‏ ‏ويدرك‏ ‏معني‏ ‏المواطنة‏ ‏ويدخل‏ ‏في‏ ‏علاقة‏ ‏مع‏ ‏غيره‏ ‏علي‏ ‏أساس‏ ‏هذه‏ ‏المواطنة‏. ‏فالحزب‏ ‏السياسي‏ ‏يجمع‏ ‏أعضاء‏ ‏من‏ ‏أديان‏ ‏وأعراق‏ ‏ومناطق‏ ‏جغرافية‏ ‏مختلفة‏, ‏ما‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏مغلقا‏ ‏علي‏ ‏فئة‏ ‏بعينها‏ ‏من‏ ‏فئات‏ ‏المجتمع‏. ‏وكذلك‏ ‏الحال‏ ‏بالنسبة‏ ‏إلى‏ ‏النقابة‏ ‏التي‏ ‏تضم‏ ‏أبناء‏ ‏المهنة‏ ‏الواحدة‏ ‏من‏ ‏مختلف‏ ‏هذه‏ ‏الفئات‏.‏
ولذلك‏ ‏تمثل‏ ‏المشاركة‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏هذه‏ ‏التنظيمات‏ ‏الوسيطة‏ ‏تجسيدا‏ ‏لمعني‏ ‏المواطنة‏. ‏ويشعر‏ ‏الإنسان‏ ‏عبر‏ ‏هذه‏ ‏المشاركة‏ ‏بأنه‏ ‏مواطن‏ ‏حقا‏, ‏ويزداد‏ ‏وعيه‏ ‏بحقوق‏ ‏هذه‏ ‏المواطنة‏ ‏وواجباتها‏. ‏ولذلك‏ ‏تؤدي‏ ‏هذه‏ ‏المشاركة‏ ‏أهم‏ ‏دور‏ ‏في‏ ‏تشكيل‏ ‏نظرة‏ ‏المواطن‏ ‏إلى‏ ‏نفسه‏ ‏ومجتمعه‏ ‏ووطنه‏, ‏وبالتالي‏ ‏إلى‏ ‏شركائه‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏الوطن‏ ‏أي‏ ‏في‏ ‏صفة‏ ‏المواطنة‏.‏ فالمشاركة‏ ‏هي‏ ‏الفعل‏ ‏الذي‏ ‏يعبر‏ ‏عن‏ ‏المعني‏ ‏المتضمن‏ ‏في‏ ‏مبدأ‏ ‏المواطنة‏. ‏وهي‏ ‏إعمال‏ ‏الحقوق‏ ‏التي‏ ‏يتمتع‏ ‏بها‏ ‏المواطنون‏ ‏وبالتالي‏ ‏يشاركون‏ ‏في‏ ‏حكم‏ ‏بلادهم‏. ‏وتشمل‏ ‏هذه‏ ‏العلاقة‏ ‏ثلاثة‏ ‏أبعاد‏: ‏دستورية‏ - ‏قانونية‏, ‏ومؤسسية‏، ‏وثقافية‏.‏
فالدستور‏ ‏هو‏ ‏الذي‏ ‏يحدد‏ ‏حقوق‏ ‏وواجبات‏ ‏المواطنين‏ ‏عموما‏, ‏بما‏ ‏في‏ ‏ذلك‏ ‏ما‏ ‏يتعلق‏ ‏بالمشاركة‏ ‏السياسية‏. ‏والقانون‏ ‏ينظم‏ المبادئ ‏العامة‏ ‏التي‏ ‏يحددها‏ ‏الدستور‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏المجال‏. ‏وهذا‏ ‏الإطار‏ ‏الدستوري‏ - ‏القانوني‏ ‏يكون‏ ‏نتاجا‏ ‏للتطور‏ ‏التاريخي‏ ‏الذي‏ ‏يتجسد‏ ‏من‏ ‏خلاله‏ ‏أو‏ ‏يترتب‏ ‏عليه‏ ‏إقرار‏ ‏مبدأ‏ ‏المواطنة‏ ‏وتحديد‏ ‏سبل‏ ‏المشاركة‏ ‏السياسية‏ ‏التي‏ ‏تعبر‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏المبدأ‏. ولكن‏ ‏الإطار‏ ‏الدستوري‏ - ‏القانوني‏ ‏قد‏ ‏لا‏ ‏يكفي‏ ‏للدلالة‏ ‏علي‏ ‏حقيقة‏ ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏المواطنة‏ ‏والمشاركة‏. ‏ففي‏ ‏بعض‏ ‏النظم‏ ‏السياسية‏ ‏توجد‏ ‏مسافة‏ ‏بين‏ ‏النص‏ ‏الدستوري‏ ‏والواقع‏ ‏السياسي‏, ‏بل‏ ‏بين‏ ‏النص‏ ‏الدستوري‏ ‏العام‏ ‏والنص‏ ‏القانوني‏ ‏المحدد‏.‏
ومن‏ ‏هنا‏ تأتي ‏أهمية‏ ‏النظر‏ ‏إلى‏ ‏المؤسسات‏ ‏السياسية‏ ‏التي‏ ‏تتجسد‏ ‏فيها‏ ‏العلاقة‏ ‏بين‏ ‏المواطنة‏ ‏والمشاركة‏ ‏في‏ ‏الواقع‏ ‏الفعلي‏, ‏وتحليل‏ ‏كيفية‏ ‏تكوين‏ ‏هذه‏ ‏المؤسسات‏ ‏ومدي‏ ‏مشاركة‏ ‏المواطنين‏ ‏فيها‏, ‏وكذلك‏ ‏أداؤها‏ ‏وما‏ ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏يقوم‏ ‏علي‏ ‏مشاركة‏ ‏حقيقية‏ ‏والي‏ ‏أي‏ ‏مدي‏.‏ فالهيكل‏ ‏المؤسسي‏ ‏لأي‏ ‏نظام‏ ‏سياسي‏ ‏يتضمن‏ ‏مدخلات‏ ‏يساعد‏ ‏تحديدها‏ ‏وتحليلها‏ ‏علي‏ ‏معرفة‏ ‏مدي‏ ‏مشاركة‏ ‏المواطنين‏ ‏في‏ ‏التأثير‏ ‏عليها‏, ‏ومخرجات‏ ‏تتيح‏ ‏فهم‏ ‏ما‏ ‏إذا‏ ‏كانت‏ ‏المؤسسات‏ ‏السياسية‏ ‏أخذت‏ ‏المؤثرات‏ ‏الناجمة‏ ‏عن‏ ‏مشاركة‏ ‏الناس‏ ‏في‏ ‏اعتبارها‏.‏
وقبل‏ ‏ذلك‏ ‏فإن‏ ‏عملية‏ ‏تشكيل‏ ‏المؤسسات‏ ‏نفسها‏ ‏تمثل‏ ‏اختبارا‏ ‏للعلاقة‏ ‏بين‏ ‏المواطنة‏ ‏والمشاركة‏, ‏وخصوصا‏ ‏المؤسسات‏ ‏التي‏ ‏تتكون‏ ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏الانتخاب‏. ‏أما‏ ‏الأبعاد‏ ‏الثقافية‏ ‏للعلاقة‏ ‏بين‏ ‏المواطنة‏ ‏والمشاركة‏ ‏فهي‏ ‏ترتبط‏ ‏بما‏ ‏سبق‏ ‏توضيحه‏. ‏فالإقبال‏ ‏علي‏ ‏المشاركة‏ ‏السياسية‏ ‏يرتبط‏ ‏بازدياد‏ ‏الوعي‏ ‏بالمواطنة‏ , ‏أي‏ ‏وعي‏ ‏الإنسان‏ ‏بأنه‏ ‏مواطن‏ ‏في‏ ‏بلده‏ ‏له‏ ‏حقوق‏ ‏وواجبات‏ ‏وليس‏ ‏مقيما‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏البلد‏ ‏بالصدفة‏. ‏فالوعي‏ ‏بالمواطنة‏ ‏هو‏ ‏نقطة‏ ‏الانطلاق‏ ‏الأولي‏ ‏التي‏ ‏تشكل‏ ‏نظرة‏ ‏المواطن‏ ‏إلى‏ ‏نفسه‏ ‏والي‏ ‏القضايا‏ ‏العامة‏ ‏المثارة‏ ‏حوله‏, ‏وتحوله‏ ‏إلى‏ ‏مواطن‏ ‏إيجابي‏ ‏مشارك‏( ).
‏3- ‏الركائز‏ ‏ذات‏ ‏الطابع‏ ‏الديني‏ ‏والطائفي‏ ‏للتكامل‏
أفضل‏ ‏استخدام‏ ‏تعبير‏ ‏الركائز‏ ‏هنا‏, ‏بمعني‏ ‏الأسس‏ ‏ذات‏ ‏الطابع‏ ‏الديني‏ ‏التي‏ ‏يلزم‏ ‏توافرها‏ ‏لتدعيم‏ ‏التكامل‏. ‏فليست‏ ‏هناك‏ ‏شروط‏ ‏دينية‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏المجال‏. ‏فالأديان‏ ‏بطبيعتها‏ ‏تحث‏ ‏علي‏ ‏السماحة‏ ‏والتسامح‏ ‏والتعايش‏. ‏ولذلك‏ ‏فهي‏ ‏تساعد‏ ‏بطبيعتها‏ ‏علي‏ ‏تحقيق‏ ‏التكامل‏. ‏ولكن‏ ‏المشكلة‏ ‏هي‏ ‏في‏ ‏الظروف‏ ‏التي‏ ‏تدفع‏ ‏بعض‏ ‏المتدينين‏ ‏إلى‏ ‏التطرف‏ ‏والغلو‏ ‏والتعصب‏. ‏وهذه‏ ‏ظروف‏ ‏ترتبط‏ ‏بالأوضاع‏ ‏الاجتماعية‏ ‏والسياسية‏ ‏في‏ ‏جانب‏ , ‏وبتفسيرات‏ ‏مغالية‏ ‏في‏ ‏جانب‏ ‏آخر‏.‏
ولذلك‏ ‏فكلما‏ ‏توافرت‏ ‏الشروط‏ ‏الثقافية‏ ‏والاجتماعية‏ ‏للتكامل‏, ‏بما‏ ‏تنطوي‏ ‏عليه‏ ‏من‏ ‏أبعاد‏ ‏سياسية‏, ‏ازداد‏ ‏ميل‏ ‏المتدينين‏ ‏إلى‏ ‏الأصول‏ ‏الحقيقية‏ ‏للأديان‏ ‏التي‏ ‏تقوم‏ ‏علي‏ ‏التسامح‏ ‏والتعايش‏. ‏ولكن‏ ‏يظل‏ ‏ضروريا‏ , ‏كذلك‏, ‏السعي‏ ‏إلى‏ ‏حل‏ ‏مشكلة‏ ‏التفسيرات‏ ‏المتطرفة‏ ‏التي‏ ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏منعها‏ ‏ولكن‏ ‏يمكن‏ ‏الحد‏ ‏من‏ ‏آثارها‏ ‏وتقليل‏ ‏عدد‏ ‏من‏ ‏يقتنعون‏ ‏بها‏.‏
ويمكن‏ ‏تحقيق‏ ‏ذلك‏ ‏اعتمادا‏ ‏علي‏ ‏آليتين‏ ‏إحداهما‏ ‏سبق‏ ‏الحديث‏ ‏عنها‏ ‏ضمن‏ ‏الشروط‏ ‏الثقافية‏ ‏للتكامل‏, ‏وهي‏ ‏عملية‏ ‏التنشئة‏, ‏والثانية‏ ‏هي‏ ‏تدعيم‏ ‏الدور‏ ‏المدني‏ ‏للمؤسسات‏ ‏الدينية‏ ‏مما‏ ‏يؤدي‏ ‏إلى‏ ‏انفتاحها‏ ‏علي‏ ‏بعضها‏ ‏البعض‏ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏وعلي‏ ‏المجتمع‏ ‏من‏ ‏ناحية‏ ‏أخري‏.‏
‏4- ‏الآليات‏ ‏المحققة‏ ‏للتكامل‏ ‏
تتحقق‏ ‏الشروط‏ ‏اللازمة‏ ‏للتكامل‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏آليات‏ ‏معينة‏. ‏وتزداد‏ ‏إمكانات‏ ‏التكامل‏ ‏بمقدار‏ ‏فاعلية‏ ‏هذه‏ ‏الآليات‏. ‏
أ‏- ‏الآليات‏ ‏الخاصة‏ ‏بالشروط‏ ‏الثقافية‏ ‏للتكامل‏
حين‏ ‏نتحدث‏ ‏عن‏ ‏الثقافة‏ ‏السياسية‏ ‏وثقافة‏ ‏المجتمع‏ ‏تبرز‏ ‏علي‏ ‏الفور‏ ‏عملية‏ ‏التنشئة‏ ‏باعتبـارها‏ ‏الآليـة‏ ‏الأساسيــة‏ ‏التـي‏ ‏تحافـظ‏ ‏علـي‏ ‏هــذه‏ ‏الثقافـة‏ ‏أو‏ ‏تغيـر‏ ‏فيـها‏. ‏وكمـا‏ ‏شـرح‏ ‏جابرييل‏ ‏الموند‏ ‏في‏ ‏تحليله‏ ‏للأبعاد‏ ‏الأربعة‏ ‏للثقافة‏ ‏السياسية‏ ‏كما‏ ‏رآها‏, ‏فإن‏ ‏محتوي‏ ‏هذه‏ ‏الثقافة‏ ‏يتحدد‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏عملية‏ ‏التنشئة‏ ‏التي‏ ‏تتم‏ ‏خلال‏ ‏مرحلة‏ ‏الطفولة‏ ‏ومن‏ ‏خلال‏ ‏المؤسسة‏ ‏التعليمية‏ ‏وعبر‏ ‏التعرض‏ ‏لوسائل‏ ‏الإعلام‏ ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏الخبرة‏ ‏العملية‏ ‏في‏ ‏الحياة‏ ‏الاجتماعية‏ ‏ثم‏ ‏السياسية‏( ).‏ فالتنشئة‏ ‏تزود‏ ‏المواطن‏ ‏بما‏ ‏اسماه‏ ‏أحد‏ ‏دارسيها‏ ‏خريطة‏ ‏إدراكية‏ Perceptual Screen ‏يستقبل‏ ‏من‏ ‏خلالها‏ ‏المنبهات‏ ‏السياسية‏ ‏المختلفة‏ ‏ويعرف‏ ‏كيف‏ ‏يتعامل‏ ‏معها‏ ‏حسب‏ ‏مضمون‏ ‏هذه‏ ‏التنشئة( ).
والمفترض‏ ‏أن‏ ‏تلجأ‏ ‏الدول‏ ‏التي‏ ‏ترغب‏ ‏في‏ ‏تحقيق‏ ‏تكامل‏ ‏اجتماعي‏, ‏أو‏ ‏زيادة‏ ‏مستوي‏ ‏هذا‏ ‏التكامل‏, ‏إلى‏ ‏عملية‏ ‏التنشئة‏ ‏لتوفير‏ ‏الشروط‏ ‏الثقافية‏ ‏اللازمة‏. ‏ولكن‏ ‏الدولة‏ ‏أو‏ ‏بالأحري‏ ‏الحكومة‏ ‏ليست‏ ‏هي‏ ‏المؤثر‏ ‏الوحيد‏ ‏علي‏ ‏عملية‏ ‏التنشئة‏, ‏بخلاف‏ ‏ما‏ ‏ذهب‏ ‏اليه‏ ‏أنصار‏ ‏المنظور‏ ‏الراديكالي‏ ‏في‏ ‏حقل‏ ‏الثقافة‏ ‏السياسية‏ ‏عندما‏ ‏انتقدوا‏ ‏الاتجاه‏ ‏الرئيس‏ ‏في‏ ‏مجال‏ ‏السياسة‏ ‏المقارنة‏ ‏بدعوي‏ ‏أنه‏ ‏مكرس‏ ‏لضمان‏ ‏استمرار‏ ‏وديمومة‏ ‏هيمنة‏ ‏النظام‏ ‏الرأسمالي‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏السيطرة‏ ‏علي‏ ‏الرسالة‏ ‏الثقافية‏. ‏وكان‏ ‏الإيطالي‏ ‏جرامشي‏ ‏أبرز‏ ‏من‏ ‏عبروا‏ ‏عن‏ ‏هذا‏ ‏المعني‏ ‏انطلاقا‏ ‏من‏ ‏المنهج‏ ‏الماركسي‏ ‏معتبرا‏ ‏أن‏ ‏الثقافة‏ ‏السياسية‏ ‏هي‏ ‏جزء‏ ‏من‏ ‏البنية‏ ‏الفوقية‏ ‏للمجتمع‏ ‏يتم‏ ‏خلقها‏ ‏وتعزيزها‏ ‏عن‏ ‏طريق‏ ‏الهيمنة‏ ‏الطبقية‏ ‏عبر‏ ‏عملية‏ ‏التنشئة‏.‏
فالخطوة‏ ‏الأولي‏ ‏في‏ ‏عملية‏ ‏التنشئة‏ ‏تقوم‏ ‏بها‏ ‏الأسرة‏ ‏أو‏ ‏العائلة‏. ‏ولذلك‏ ‏تتأثر‏ ‏ثقافة‏ ‏الفرد‏ ‏تأثرا‏ ‏كبيرا‏ ‏بما‏ ‏يتلقاه‏ ‏في‏ ‏مرحلة‏ ‏تنشئته‏ ‏الأولي‏ ‏هذه‏ ‏من‏ ‏قيم‏ ‏تعزز‏ ‏التكامل‏ ‏أو‏ ‏تعوقه‏. ‏كما‏ ‏تلعب‏ ‏بعض‏ ‏مؤسسات‏ ‏المجتمع‏ ‏غير‏ ‏الرسمية‏ ‏دورا‏ ‏مهما‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏المجال‏. ‏ولذلك‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏توجد‏ ‏في‏ ‏الوقت‏ ‏نفسه‏ ‏قيم‏ ‏تعزز‏ ‏عملية‏ ‏التكامل‏ ‏وأخري‏ ‏تعوقها‏. ‏وإذا‏ ‏نظرنا‏ ‏إلى‏ ‏حالة‏ ‏مصر‏, ‏مثلا‏, ‏بهدف‏ ‏التوضيح‏ ‏نجد‏ ‏أن‏ ‏الرسائل‏ ‏التي‏ ‏يتلقاها‏ ‏المصريون‏ ‏في‏ ‏مرحلة‏ ‏التنشئة‏ ‏المبكرة‏ ‏تختلف‏ ‏بحسب‏ ‏مدي‏ ‏التسامح‏ ‏أو‏ ‏التعصب‏ ‏في‏ ‏أسرهم‏ ‏وعائلاتهم‏ ‏والأصدقاء‏ ‏الذين‏ ‏يحتكون‏ ‏بهم‏ ‏في‏ ‏فترة‏ ‏الطفولة‏ ‏والمراهقة‏. ‏وربما‏ ‏نستطيع‏ ‏تفسير‏ ‏شدة‏ ‏هذا‏ ‏الاختلاف‏ ‏بأن‏ ‏أطر‏ ‏التنشئة‏ ‏المؤثرة‏ ‏هي‏ ‏الأكثر‏ ‏تعرضا‏ ‏للإصابة‏ ‏بالتعصب‏ (‏الأسرة‏ ‏والعائلة‏ ‏والأصدقاء‏), ‏في‏ ‏حين‏ ‏أن‏ ‏الأطر‏ ‏التي‏ ‏يفترض‏ ‏أنها‏ ‏أكثر‏ ‏تسامحا‏ ‏لا‏ ‏تقوم‏ ‏بدور‏ ‏مؤثر‏ ‏وهي‏ ‏المؤسسة‏ ‏التعليمية‏ ‏ووسائل‏ ‏الإعلام‏.‏
ولذلك‏ ‏قد‏ ‏تكون‏ ‏المؤسسة‏ ‏التعليمية‏ ‏هي‏ ‏أداة‏ ‏التنشئة‏ ‏التي‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تساعد‏ ‏في‏ ‏تغليب‏ ‏الثقافة‏ ‏المعززة‏ ‏للتكامل‏ ‏إذا‏ ‏تم‏ ‏إصلاحها‏. ‏والإصلاح‏ ‏المطلوب‏ ‏هنا‏ ‏هو‏ ‏في‏ ‏وسائل‏ ‏التدريس‏ ‏أكثر‏ ‏منه‏ ‏في‏ ‏المناهج‏ ‏الدراسية‏. ‏فالمسألة‏ ‏ليست‏ ‏تلقين‏ ‏الطلاب‏ ‏ما‏ ‏يدعم‏ ‏مفاهيم‏ ‏التسامح‏ ‏والتعايش‏ ‏وقبول‏ ‏الاختلاف‏, ‏بل‏ ‏تعويدهم‏ ‏علي‏ ‏ذلك‏ ‏بالممارسة‏. ‏ويتحقق‏ ‏ذلك‏ ‏باعتماد‏ ‏طريقة‏ ‏للتدريس‏ ‏يلعب‏ ‏الحوار‏ ‏دورا‏ ‏أساسيا‏ ‏فيها‏. ‏فالحوار‏ ‏هو‏ ‏الذي‏ ‏يفتح‏ ‏عقل‏ ‏التلميذ‏ ‏الصغير‏ ‏علي‏ ‏حقيقة‏ ‏أن‏ ‏هناك‏ ‏اختلافا‏ ‏بين‏ ‏الناس‏, ‏وأن‏ ‏هذا‏ ‏الاختلاف‏ ‏أمر‏ ‏طبيعي‏, ‏وأن‏ ‏هذه‏ ‏هي‏ ‏سنة‏ ‏الله‏ ‏في‏ ‏خلقه‏.‏
ب‏- ‏الآليات‏ ‏الخاصة‏ ‏بالشروط‏ ‏الاجتماعية‏ ‏للتكامل‏
تعاني‏ ‏هذه‏ ‏الآليات‏, ‏وأهمها‏ ‏المشاركة‏ ‏والتنظيمات‏ ‏الوسيطة‏, ‏من‏ ‏ضعف‏ ‏مستوي‏ ‏تطورها‏ ‏في‏ ‏معظم‏ ‏البلاد‏ ‏النامية‏ ‏وليس‏ ‏فقط‏ ‏في‏ ‏العراق‏. ‏فقد‏ ‏أدي‏ ‏النمط‏ ‏السلطوي‏ ‏للنظام‏ ‏السياسي‏ ‏إلى‏ ‏إلغاء‏ ‏هذه‏ ‏التنظيمات‏ ‏وإلحاق‏ ‏بعضها‏ ‏الآخر‏ ‏بنظام‏ ‏الحكم‏.. ‏وساعد‏ ‏علي‏ ‏ذلك‏ ‏عاملان‏ : ‏أولهما‏ ‏هو‏ ‏ضعف‏ ‏تكوين‏ ‏النخبة‏ ‏السياسية‏ ‏والاجتماعية‏ ‏والثقافية‏ ‏التي‏ ‏كان‏ ‏منوطا‏ ‏بها‏ ‏بناء‏ ‏أو‏ ‏تطوير‏ ‏التنظيمات‏ ‏الوسيطة‏ ‏من‏ ‏أحزاب‏ ‏ونقابات‏ ‏وجمعيات‏. ‏وثانيهما‏ ‏هو‏ ‏القيود‏ ‏التي‏ ‏ظلت‏ ‏مفروضة‏ ‏علي‏ ‏نشاط‏ ‏هذه‏ ‏التنظيمات‏. ‏ولكن‏ ‏الأثر‏ ‏السلبي‏ ‏لضعف‏ ‏أهم‏ ‏الآليات‏ ‏التي‏ ‏تحقق‏ ‏الشروط‏ ‏الاجتماعية‏ ‏للتكامل‏ ‏أخذ‏ ‏يزداد‏ ‏مؤديا‏ ‏إلى‏ ‏تقوية‏ ‏الانتماءات‏ ‏الأولية‏ ‏الموروثة‏.‏
ويمكن‏ ‏أن‏ ‏يؤدي‏ ‏ذلك‏ إلى ‏إعاقة‏ ‏عملية‏ ‏التكامل‏ ‏إذا‏ ‏استمر‏ ‏وتنامي‏. ‏فعندما‏ ‏تضعف‏ ‏التنظيمات‏ ‏الوسيطة‏ ‏وتعجز‏ ‏عن‏ ‏جذب‏ ‏الناس‏ ‏للمشاركة‏ ‏من‏ ‏خلالها‏, ‏يزداد‏ ‏الميل‏ إلى ‏التقوقع‏ ‏حول‏ ‏الانتماءات‏ ‏الأولية‏.‏
ج‏- ‏الآليات‏ ‏الخاصة‏ ‏بالركائز‏ ‏الدينية‏ - ‏الطائفية‏ ‏للتكامل‏ ‏
عندما‏ ‏يكون‏ ‏التكامل‏ ‏المقصود‏ ‏هو‏ ‏بين‏ ‏أتباع‏ ‏أديان‏ ‏أو‏ ‏طوائف‏ ‏مختلفة‏, ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏للمؤسسات‏ ‏الدينية‏ ‏والطائفية‏ ‏دور‏ ‏مهم‏ ‏في‏ ‏تدعيم‏ ‏أو‏ ‏إعاقة‏ ‏هذا‏ ‏التكامل‏. ‏صحيح‏ ‏أن‏ ‏توفير‏ ‏أكبر‏ ‏قدر‏ ‏من‏ ‏الشروط‏ ‏الثقافية‏ ‏والاجتماعية‏ ‏اللازمة‏ ‏للتكامل‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يقلل‏ ‏الدور‏ ‏الذي‏ ‏تلعبه‏ ‏المؤسسات‏ ‏الدينية‏ ‏والطائفية‏. ‏ولكن‏ ‏يظل‏ ‏في‏ ‏إمكان‏ ‏مؤسسة‏ ‏دينية‏ ‏أو‏ ‏طائفية‏ ‏أو‏ ‏أخري‏, ‏في‏ ‏بلد‏ ‏أو‏ ‏آخر‏, ‏أن‏ ‏تعوق‏ ‏عملية‏ ‏التكامل‏ ‏بدرجة‏ ‏أو‏ بأخرى ‏إذا‏ ‏لعبت‏ ‏دورا‏ ‏سلبيا‏.‏

وقد‏ ‏سبقت‏ ‏الإشارة‏, ‏عند‏ ‏الحديث‏ ‏عن‏ ‏عملية‏ ‏التنشئة‏ ‏باعتبارها‏ ‏أهم‏ ‏الآليات‏ ‏الخاصة‏ ‏بالشروط‏ ‏الثقافية‏ ‏للتكامل‏, ‏إلى‏ ‏خطأ‏ ‏التصور‏ ‏الذي‏ ‏طرحه‏ ‏جرامشي‏ ‏والاتجاه‏ ‏الراديكالي‏ ‏في‏ ‏دراسة‏ ‏الثقافة‏ ‏السياسية‏. ‏رأي‏ ‏هذا‏ ‏الاتجاه‏ ‏أن‏ ‏الحكومة‏ ‏تستطيع‏ ‏تحديد‏ ‏محتوي‏ ‏الثقافة‏ ‏السائدة‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏توجيه‏ ‏عملية‏ ‏التنشئة‏. ‏فقد‏ ‏ثبت‏ ‏من‏ ‏التجارب‏ ‏المختلفة‏ ‏أن‏ ‏مؤسسات‏ ‏غير‏ ‏رسمية‏ ‏لا‏ ‏تعتبر‏ ‏كبيرة‏ ‏أو‏ ‏قوية‏ ‏في‏ ‏بعض‏ ‏البلاد‏ ‏لعبت‏ ‏دورا‏ ‏في‏ ‏تشكيل‏ ‏الثقافة‏ ‏السائدة‏ , ‏أو‏ ‏في‏ ‏إرباك‏ ‏هذه‏ ‏الثقافة‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏التأثير‏ ‏في‏ ‏عملية‏ ‏التنشئة‏ ‏لبعض‏ ‏قطاعات‏ ‏المجتمع‏ ‏في‏ ‏اتجاه‏ ‏مختلف‏ ‏عن‏ ‏الاتجاه‏ ‏المرغوب‏ ‏فيه‏ ‏رسميا‏. ‏
وبعد‏ ‏هذا‏ ‏العرض‏ ‏السريع‏ ‏لشروط‏ ‏وآليات‏ ‏التكامل‏ ‏الاجتماعي‏, ‏يمكن‏ ‏القول‏ ‏إن‏ ‏مستقبل‏ ‏العراق‏ ‏الجديد‏ ‏ومدي‏ ‏إمكانية‏ ‏تجاوز‏ '‏المحاصصة‏' ‏الإثنية‏ ‏يتوقفان‏ ‏علي‏ ‏الفرص‏ ‏المتاحة‏ ‏لتعميق‏ ‏المواطنة‏ ‏وتحقيق‏ ‏التكامل‏ ‏الاجتماعي‏ ‏علي‏ ‏نحو‏ ‏يتجاوز‏ ‏الانتماءات‏ ‏الأولية‏.‏
فالمرحلة‏ ‏الانتقالية‏ ‏التي‏ ‏بدأت‏ ‏بعد‏ ‏انهيار‏ ‏نظام‏ ‏صدام‏ ‏حسين‏ ‏هي‏ ‏الأخطر‏ ‏في‏ ‏تاريخ‏ ‏العراق‏ ‏الحديث‏, ‏وعليها‏ ‏سيتوقف‏ ‏مستقبله‏ ‏ومدي‏ ‏امكان‏ ‏تحويل‏ ‏ما‏ ‏يبدو‏ ‏اليوم‏ ‏تفتتا‏ ‏وتبعثرا‏ ‏إلى‏ ‏تنوع‏ ‏خلاق‏ ‏يجعل‏ ‏تعدد‏ ‏الطوائف‏ ‏والأعراق‏ ‏والعشائر‏ ‏سببا‏ ‏للقوة‏ ‏والتماسك‏ ‏وليس‏ ‏مصدرا‏ ‏للضعف‏ ‏والانقسام‏.‏
رابعا‏: ‏المجتمع‏ ‏التقليدي‏ ‏يحترم‏ ‏الحداثة‏ ‏
عندما‏ ‏كانت‏ ‏ادارة‏ ‏الرئيس‏ ‏الأمريكي‏ ‏جورج‏ ‏دبليو‏ ‏بوش‏ ‏تعد‏ ‏للحرب‏ ‏علي‏ ‏العراق‏, ‏ساد‏ ‏اعتقاد‏ ‏في‏ ‏قدرتها‏ ‏علي‏ ‏إقامة‏ ‏نظام‏ ‏سياسي‏ ‏ديمقراطي‏ ‏يكون‏ ‏نموذجا‏ ‏في‏ ‏المنطقة‏ ‏العربية‏ ‏ومصدر‏ ‏إشعاع‏ ‏يؤدي‏ ‏إلى‏ ‏تغيير‏ ‏في‏ ‏دولها‏. ‏ولم‏ ‏يترك‏ ‏ما‏ ‏صدر‏ ‏عن‏ ‏مسئولين‏ ‏أمريكيين‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏الشأن‏ ‏مجالا‏ ‏للشك‏ ‏في‏ ‏أن‏ ‏النظام‏ ‏السياسي‏ ‏العراقي‏ ‏الجديد‏ ‏سيكون‏ ‏نموذجا‏ ‏للحداثة‏ Modernity ‏وأداة‏ ‏تحديث‏ Modernization ‏علي‏ ‏الصعيد‏ ‏الإقليمي‏.‏
غير‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏التصور‏ ‏لم‏ ‏يجد‏ ‏طريقا‏ إلى ‏الواقع‏ ‏العراقي‏ ‏الذي‏ ‏فاجأ‏ ‏الأمريكيين‏, ‏مثلما‏ ‏أدهش‏ ‏غيرهم‏, ‏وخصوصا‏ ‏فيما‏ ‏يتعلق‏ ‏بمدي‏ ‏قوة‏ ‏ونفوذ‏ ‏الفاعليات‏ ‏التقليدية‏ ‏أو‏ ‏غير‏ ‏الحديثة‏ ‏سواء‏ ‏الدينية‏ ‏والطائفية‏ ‏أو‏ ‏العشائرية‏. ‏وأحدثت‏ ‏هذه‏ ‏المفاجأة‏ ‏ارتباكا‏ ‏في‏ الإدارة ‏الأمريكية‏ ‏لعراق‏ ‏ما‏ ‏بعد‏ ‏صدام‏ ‏حسين‏. ‏والمهم‏ ‏هو‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الارتباك‏ ‏لم‏ ‏يقل‏ ‏يوما بعد‏ ‏يوم‏, ‏بل‏ ‏ازداد‏ ‏خلال‏ ‏الفترة‏ ‏التي‏ ‏تلت‏ ‏انهيار‏ ‏نظام‏ ‏صدام‏ ‏حسين‏. ‏وربما‏ ‏ساهم‏ ‏في‏ ‏ذلك‏ ‏اكتشاف‏ ‏واشنطن‏ ‏أن‏ ‏أحزاب‏ ‏وقوى‏ ‏المعارضة‏ ‏الحديثة‏ ‏وشبه‏ ‏الحديثة‏, ‏التي‏ ‏كانت‏ ‏تعول‏ ‏عليها‏, ‏لا‏ ‏تمتلك‏ ‏جذورا‏ ‏يعتد‏ ‏بها‏ ‏في‏ ‏مجتمع‏ ‏بدا‏ ‏كما‏ ‏لو‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يمر‏ ‏بأي‏ ‏مرحلة‏ ‏من‏ ‏مراحل‏ ‏التحديث‏ ‏السياسي‏ ‏والاجتماعي‏.‏ وحتى ‏الحزبان‏ ‏الكرديان‏ ‏الرئيسان‏ ‏اللذان‏ ‏يقفان‏ ‏علي‏ ‏أرض‏ ‏أكثر‏ ‏صلابة‏ ‏من‏ ‏غيرهما‏ ‏لا‏ ‏يعتبران‏ ‏حديثين‏ ‏تماما‏, ‏إذ‏ ‏يجمعان‏ إلى ‏حداثة‏ ‏البناء‏ ‏الحزبي‏ ‏تقليدية‏ ‏الانتماء‏ ‏العرقي‏. ‏ولذلك‏ ‏نزعت‏ ‏سلطة‏ ‏الاحتلال‏ ‏يوما‏ ‏بعد‏ ‏آخر‏ إلى ‏الاعتماد‏ ‏علي‏ ‏فاعليات‏ ‏تقليدية‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏الأحزاب‏ ‏والقوي‏ ‏الحديثة‏. ‏
ولم‏ ‏يكن‏ ‏هذا‏ ‏مجرد‏ ‏تغيير‏ ‏في‏ ‏أداء‏ ‏هذه‏ ‏السلطة‏ ‏في‏ ‏حالة‏ ‏بعينها‏. ‏فهو‏ ‏ينطوي‏ ‏علي‏ ‏تحول‏ ‏فكري‏ ‏مهم‏ ‏مفاده‏ ‏أن‏ ‏في‏ الإمكان ‏بناء‏ ‏نظام‏ ‏ديمقراطي‏ ‏اعتمادا‏ ‏علي‏ ‏فاعليات‏ ‏تقليدية‏ ‏كان‏ ‏التيار‏ ‏السائد‏ ‏في‏ ‏السياسة‏ ‏الخارجية‏ ‏الأمريكية‏, ‏وفي‏ ‏علم‏ ‏السياسة‏ ‏الأمريكي‏, ‏يعتبرها‏ ‏عائقا‏ ‏أمام‏ ‏التقدم‏ ‏والديمقراطية‏.‏
وكان‏ ‏هذا‏ ‏أحد‏ ‏عوامل‏ ‏دعم‏ ‏الولايات‏ ‏المتحدة‏ ‏نظما‏ ‏تسلطية‏ ‏في‏ ‏البلاد‏ ‏النامية‏. ‏فلم‏ ‏تكن‏ ‏المصالح‏ ‏هي‏ ‏الدافع‏ ‏الوحيد‏ ‏وراء‏ ‏التناقض‏ ‏الذي‏ ‏ظهر‏ ‏في‏ ‏سياستها‏ ‏الخارجية‏ ‏لفترة‏ ‏طويلة‏ ‏بين‏ ‏شعار‏ '‏العالم‏ ‏الحر‏' ‏ودعم‏ ‏نظم‏ ‏تصادر‏ ‏الحرية‏ ‏في‏ ‏بلادها‏. ‏فكان‏ ‏ثمة‏ ‏سبب‏ ‏آخر‏ ‏وراء‏ ‏هذا‏ ‏التناقض‏, ‏وهو‏ ‏الاعتقاد‏ ‏في‏ ‏أن‏ ‏التحديث‏ ‏ضروري‏ ‏للديمقراطية‏, ‏وأن‏ ‏فرض‏ ‏هذا‏ ‏التحديث‏ ‏يبرر‏ ‏التغاضي‏ ‏عن‏ ‏غياب‏ ‏الديمقراطية‏ ‏إلى‏ ‏أن‏ ‏تتوافر‏ ‏متطلباتها‏ ‏مثل‏ ‏بناء‏ ‏نظام‏ ‏اقتصادي‏ ‏حديث‏ ‏وانتشار‏ ‏التعليم‏ ‏ووسائل‏ ‏الإعلام‏ ‏وبناء‏ ‏مؤسسات‏ ‏حديثة‏.‏
ولذلك‏ ‏ربما‏ ‏يجوز‏ ‏استنتاج‏ ‏أن‏ ‏حالة‏ ‏عراق‏ ‏ما‏ ‏بعد‏ ‏صدام‏ ‏حسين‏ ‏أعطت‏ ‏مصداقية‏ ‏غير‏ ‏مسبوقة‏ ‏لنموذج‏ ‏الديمقراطية‏ ‏التوافقية‏ ‏الذي‏ ‏أهمله‏ ‏علم‏ ‏السياسة‏ ‏الأمريكي‏ ‏بسبب‏ ‏شدة‏ ‏تأثره‏ ‏بنظرية‏ ‏التحديث‏. ‏كما‏ ‏أن‏ ‏الحالة‏ ‏العراقية‏ ‏تعتبر‏, ‏بالتالي‏ ‏وإذا‏ ‏صح‏ ‏هذا‏ ‏الاستنتاج‏, ‏تأكيدا‏ ‏لموت‏ ‏نظرية‏ ‏التحديث‏ ‏أو‏ ‏المسمار‏ ‏الأخير‏ ‏في‏ ‏نعش‏ ‏الاتجاه‏ ‏الذي‏ ‏اعتبر‏ ‏تحديث‏ ‏المجتمع‏ ‏شرطا‏ ‏لا‏ ‏غني‏ ‏عنه‏ ‏لإقامة‏ ‏نظام‏ ‏ديمقراطي‏ ‏في‏ ‏أي‏ ‏بلد‏ ‏من‏ ‏بلاد‏ ‏العالم‏ ‏بغض‏ ‏النظر‏ ‏عن‏ ‏ظروفه‏ ‏وطبيعة‏ ‏مجتمعه‏.‏
وكانت‏ ‏شمس‏ ‏نظرية‏ ‏التحديث‏, ‏التي‏ ‏يبدو‏ ‏أنها‏ ‏تغرب‏ ‏الآن‏, ‏قد‏ ‏بزغت‏ ‏في‏ ‏أواخر‏ ‏خمسينيات‏ ‏وأوائل‏ ‏ستينيات‏ ‏القرن‏ ‏العشرين‏ ‏وسادت‏ ‏أدبيات‏ ‏علم‏ ‏السياسة‏ ‏الغربي‏ ‏لفترة‏ ‏طويلة‏. ‏فكانت‏ ‏تعتبر‏ ‏أكبر‏ ‏وأهم‏ ‏نظرية‏ ‏تناولت‏ ‏متطلبات‏ ‏الديمقراطية‏. ‏وتمثلت‏ ‏مقولتها‏ ‏الأساسية‏ ‏في‏ ‏أن‏ ‏التحديث‏, ‏الذي‏ ‏يحقق‏ ‏التقدم‏ ‏الاقتصادي‏ ‏والاجتماعي‏, ‏يقود‏ ‏إلى‏ ‏تحول‏ ‏شامل‏ ‏للمجتمع‏ ‏يشمل‏ ‏ثقافته‏ ‏السياسية‏ ‏ويساعد‏ ‏علي‏ ‏تحقيق‏ ‏التحول‏ ‏الديمقراطي‏. ‏وأسهب‏ ‏في‏ ‏ذلك‏ ‏رواد‏ ‏هذه‏ ‏النظرية‏ ‏مثل‏ ‏ليرنر‏ ‏ودويتش‏ ‏وليبست‏ ‏وكونهاوزر‏ ‏وكوتريت‏ ‏وكولمان‏, ‏وغيرهم‏.‏
فعلي‏ ‏سبيل‏ ‏المثال‏, ‏كان‏ ‏كارل‏ ‏دويتش‏ ‏علي‏ ‏ثقة‏ ‏بأن‏ ‏التعبئة‏ ‏الاجتماعية‏ ‏المرتبطة‏ ‏بالتقدم‏ ‏الاقتصادي‏ ‏تقوض‏ ‏الهياكل‏ ‏الثقافية‏ ‏التقليدية‏, ‏بحيث‏ ‏يصبح‏ ‏الناس‏ ‏أكثر‏ ‏استعدادا‏ ‏لأنماط‏ ‏جديدة‏ ‏من‏ ‏التنشئة‏ ‏والسلوك‏. ‏وتحدث‏ ‏عن‏ ‏عملية‏ ‏اجتماعية‏ ‏محورها‏ ‏الابتعاد‏ ‏عن‏ ‏حياة‏ ‏العزلة‏ ‏والانغلاق‏ ‏في‏ ‏الأطر‏ ‏المحلية‏ ‏التقليدية‏, ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏انتهاء‏ ‏روح‏ ‏اللامبالاة‏ ‏السياسية‏ ‏وتزايد‏ ‏النزوع‏ ‏إلى‏ ‏المشاركة‏.( )
لقد‏ ‏ساد‏ ‏الاعتقاد‏ ‏في‏ ‏أن‏ ‏التحديث‏ ‏الاقتصادي‏ ‏والاجتماعي‏ ‏يعني‏ ‏القضاء‏ ‏علي‏ ‏الأمية‏ ‏وارتفاع‏ ‏مستوي‏ ‏التعليم‏ ‏وانتشار‏ ‏وسائل‏ ‏الإعلام‏, ‏مما‏ ‏يؤدي‏ ‏إلى‏ ‏اكتساب‏ ‏الناس‏ ‏نظرة‏ ‏أوسع‏ ‏وأكثر تسامحا‏ ‏تجاه‏ ‏الآخرين‏ ‏وانفتاحا‏ ‏علي‏ ‏الحياة‏ ‏العامة‏ ‏وانشغالا‏ ‏بالنشاط‏ ‏السياسي‏, ‏كنتيجة‏ ‏للتدفق‏ ‏المتنوع‏ ‏للمعلومات‏ ‏وإمكانية‏ ‏الحصول‏ ‏عليها‏.( )‏ فالتقدم‏ ‏الاقتصادي‏ ‏والاجتماعي‏, ‏وفقا‏ ‏لهذه‏ ‏النظرية‏, ‏يوسع‏ ‏مدارك‏ ‏الناس‏, ‏ويدعم‏ ‏اتجاه‏ ‏التسامح‏ ‏عندهم‏, ‏ويحول‏ ‏دون‏ ‏اقتناعهم‏ ‏بالمذاهب‏ ‏المتطرفة‏, ‏ومن‏ ‏ثم‏ ‏يزيد‏ ‏من‏ ‏قدرتهم‏ ‏علي‏ ‏الاختيار‏ ‏الانتخابي‏ ‏العقلاني( ).
وقد‏ ‏عبر‏ ‏رواد‏ ‏التحديث‏ ‏عن‏ ‏التقدم‏ ‏الاقتصادي‏ ‏والاجتماعي‏ ‏باستخدام‏ ‏مجموعة‏ ‏كبيرة‏ ‏من‏ ‏المؤشرات‏, ‏أهمها‏ ‏معدل‏ ‏الدخل‏ ‏القومي‏ ‏الإجمالي‏, ‏ومستوي‏ ‏التصنيع‏, ‏والتحضر‏ (‏التمدين‏), ‏والتعليم‏, ‏ووسائل‏ ‏الإعلام‏. ‏وطالما‏ ‏أنه‏ ‏من‏ ‏الممكن‏ ‏تحقيق‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏, ‏كما‏ ‏اعتقدوا‏, ‏كان‏ ‏من‏ ‏الطبيعي‏ ‏أن‏ ‏يتوقعوا‏ ‏حصول‏ ‏الجماعات‏ ‏المقموعة‏ ‏والمحرومة‏ ‏من‏ ‏المشاركة‏ ‏في‏ ‏المجتمع‏ ‏التقليدي‏ ‏علي‏ ‏موارد‏ ‏سياسية‏ ‏غير‏ ‏مسبوقة‏, ‏بما‏ ‏يعنيه‏ ‏ذلك‏ ‏من‏ ‏تحسن‏ ‏أوضاع‏ ‏هذه‏ ‏الجماعات‏ ‏في‏ ‏النظام‏ ‏السياسي‏. ‏فتوقعوا‏ ‏أن‏ ‏تتكون‏ ‏طبقة‏ ‏عاملة‏ ‏منظمة‏ ‏ومتعلمة‏, ‏وأن‏ ‏تنمو‏ ‏طبقة‏ ‏وسطي‏ ‏عصرية‏ ‏تحل‏ ‏محل‏ ‏النخب‏ ‏التقليدية‏ ‏من‏ ‏ملاك‏ ‏أرض‏ ‏وعسكريين‏ ‏وبيروقراطيين‏. ‏وفي‏ ‏هذا‏ ‏السياق‏ ‏تتوافر‏ ‏فرص‏ ‏أفضل‏ ‏لإشباع‏ ‏حاجات‏ ‏مختلف‏ ‏الجماعات‏, ‏ولحل‏ ‏مشكلات‏ ‏توزيع‏ ‏الدخل‏, ‏مما‏ ‏يدعم‏ ‏الاتجاه‏ ‏إلى‏ ‏التسامح‏ ‏والتعاون‏ ‏والمواءمة‏ ‏السياسية‏. ‏كما‏ ‏أنه‏ ‏عندما‏ ‏يستطيع‏ ‏الناس‏ ‏تجاوز‏ ‏بيئاتهم‏ ‏التقليدية‏, ‏والتعامل‏ ‏مع‏ ‏غيرهم‏, ‏ستزداد‏ ‏الاتجاهات‏ ‏الديمقراطية‏ ‏المنفتحة( )‏.
واهتم‏ ‏بعض‏ ‏هؤلاء‏ ‏الرواد‏ ‏بالبحث‏ ‏الميداني‏ ‏التجريبي‏ ‏لاختبار‏ ‏مقولاتهم‏, ‏فعلي‏ ‏سبيل‏ ‏المثال‏ ‏قام‏ ‏دانييل‏ ‏ليرنر‏ ‏بدراسة‏ ‏طالت‏ 50 ‏دولة‏, ‏وتأكد‏ ‏من‏ ‏وجود‏ ‏ارتباطات‏ ‏إحصائية‏ ‏بين‏ ‏مستوي‏ ‏التعليم‏ ‏ودرجة‏ ‏التحضر‏ ‏ومدي‏ ‏انتشار‏ ‏وسائل‏ ‏الاتصال‏ ‏الجماهيري‏, ‏وبين‏ ‏تزايد‏ ‏الاتجاه‏ ‏للمشاركة‏ ‏السياسية‏, ‏وتوقع‏ ‏بناء‏ ‏علي‏ ‏ذلك‏ ‏تراجع‏ ‏النزعات‏ ‏المنغلقة‏ ‏والعدائية‏, ‏وتزايد‏ ‏احتمالات‏ ‏الحل‏ ‏السلمي‏ ‏للصراعات‏( )‏. كما‏ ‏أجري‏ ‏جيمس‏ ‏كولمان‏ ‏دراسة‏ ‏علي‏ ‏مجموعة‏ ‏من‏ ‏الدول‏ ‏في‏ ‏أفريقيا‏ ‏وآسيا‏ ‏وأمريكا‏ ‏اللاتينية‏, ‏وفقا‏ ‏لمقياس‏ ‏يتراوح‏ ‏بين‏ ‏التنافسية‏ ‏وشبه‏ ‏التنافسية‏ ‏والسلطوية‏, ‏وتوصل‏ ‏إلى‏ ‏وجود‏ ‏علاقة‏ ‏قوية‏ ‏بين‏ ‏الوضع‏ ‏الاقتصادي‏ ‏للدولة‏ ‏وبين‏ ‏نمط‏ ‏الحكم‏ ‏فيها( )‏.
وهكذا‏ ‏اقترن‏ ‏ظهور‏ ‏مدرسة‏ ‏التحديث‏, ‏وما‏ ‏حصلت‏ ‏عليه‏ ‏من‏ ‏مكانة‏ ‏مرموقة‏ ‏أكاديميا‏, ‏بنزعة‏ ‏متفائلة‏ ‏تجاه‏ ‏مستقبل‏ ‏الدول‏ ‏النامية‏, ‏مفادها‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الدول‏ ‏ستسلك‏ ‏اتجاه‏ ‏التطور‏ ‏الغربي‏ ‏نفسه‏. ‏وكان‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏أيضا‏ ‏مصدر‏ ‏ضعفها‏, ‏لأن‏ ‏التفاؤل‏ ‏كان‏ ‏مبالغا‏ ‏فيه‏, ‏ولأنها‏ ‏انطلقت‏ ‏من‏ ‏منظور‏ ‏ضيق‏ ‏جعل‏ ‏التحديث‏ ‏مرادفا‏ ‏تقريبا‏ ‏للتغريب‏.‏
فقد‏ ‏استند‏ ‏التفاؤل‏ ‏الذي‏ ‏عبرت‏ ‏عنه‏ ‏هذه‏ ‏النظرية‏ ‏إلى‏ ‏بناء‏ ‏أنظمة‏ ‏ديمقراطية‏, ‏وضع‏ ‏أسسها‏ ‏المستعمرون‏ ‏قبل‏ ‏رحيلهم‏ ‏في‏ ‏كثير‏ ‏من‏ ‏الدول‏ ‏الأفريقية‏ ‏التي‏ ‏حصلت‏ ‏علي‏ ‏استقلالها‏ ‏في‏ ‏الخمسينيات‏. ‏لكن‏ ‏هذا‏ ‏التفاؤل‏ ‏سرعان‏ ‏ما‏ ‏تراجع‏. ‏فقد‏ ‏تحولت‏ ‏هذه‏ ‏الدول‏ ‏إلى‏ ‏التسلطية‏ ‏بأشكالها‏ ‏المختلفة‏ (‏حكم‏ ‏عسكري‏ - ‏حزب‏ ‏واحد‏ - ‏دكتاتورية‏ ‏فردية‏). ‏ولم‏ ‏يقتصر‏ ‏هذا‏ ‏التراجع‏ ‏علي‏ ‏أفريقيا‏, ‏حيث‏ ‏عاد‏ ‏الحكم‏ ‏العسكري‏ ‏يهيمن‏ ‏مرة‏ ‏أخري‏ ‏علي‏ ‏أمريكا‏ ‏اللاتينية‏. ‏ومع‏ ‏انحسار‏ ‏التفاؤل‏, ‏تبين‏ ‏قصور‏ ‏النزعة‏ ‏الغربية‏ ‏الضيقة‏. ‏ولذلك‏ ‏كان‏ ‏من‏ ‏الضروري‏ ‏أن‏ ‏تتعرض‏ ‏هذه‏ ‏المدرسة‏ ‏لانتقادات‏ ‏أكاديمية‏ ‏بدأت‏ ‏خجولة‏ ‏ثم‏ ‏تصاعدت‏ ‏تدريجيا‏ ‏منذ‏ ‏أواخر‏ ‏الستينيات‏, ‏في‏ ‏الوقت‏ ‏الذي‏ ‏ظل‏ ‏كثيرون‏ ‏من‏ ‏المثقفين‏ ‏العرب‏ ‏مفتونين‏ ‏بها‏ ‏إلى‏ ‏حد‏ ‏التقديس‏.‏
وكان‏ ‏صموئيل‏ ‏هنتنجتون‏, ‏المتهم‏ ‏الآن‏ ‏ظلما‏ ‏بأنه‏ ‏يسعي‏ ‏إلى‏ ‏حرب‏ ‏حضارات‏, ‏أول‏ ‏عالم‏ ‏سياسة‏ ‏بارز‏ ‏يعتلي‏ ‏منبر‏ ‏النقد‏ ‏لنظرية‏ ‏التحديث‏, ‏في‏ ‏كتابه‏ ‏الشهير‏ ‏عن‏ ‏النظام‏ ‏السياسي‏ ‏في‏ ‏المجتمعات‏ ‏المتغيرة‏. ‏فقد‏ ‏شكك‏ ‏في‏ ‏مصداقية‏ ‏المقولات‏ ‏المركزية‏ ‏لهذه‏ ‏النظرية‏, ‏وفي‏ ‏مقدمتها‏ ‏مقولة‏ ‏إن‏ ‏التحديث‏ ‏الاقتصادي‏ ‏والاجتماعي‏ ‏يدعم‏ ‏ثقافة‏ ‏سياسية‏ ‏أكثر‏ ‏انسجاما‏ ‏مع‏ ‏الديمقراطية‏ ‏والسلام‏ ‏الاجتماعي‏. ‏وقدم‏ ‏طرحا‏ ‏مغايرا‏ ‏مؤداه‏ ‏أن‏ ‏الصراعات‏ ‏في‏ ‏المجتمع‏ ‏والسياسة‏ ‏لا‏ ‏تتقلص‏ ‏عبر‏ ‏هذا‏ ‏التحديث‏, ‏وإنما‏ ‏علي‏ ‏العكس‏ ‏ربما‏ ‏تتفاقم‏. ‏وبعبارة‏ ‏أخري‏, ‏طرح‏ ‏أن‏ ‏تقويض‏ ‏الهياكل‏ ‏التقليدية‏ ‏قد‏ ‏يقود‏ ‏إلى‏ ‏تصاعد‏ ‏الصراعات‏ ‏وتزايد‏ ‏حدتها‏. ‏وتوقع‏ ‏في‏ ‏وقت‏ ‏مبكر‏ ‏ظهور‏ ‏الأصولية‏ ‏الدينية‏ ‏حاملة‏ ‏معها‏ ‏نذر‏ ‏صدامات‏ ‏سياسية‏ ‏عنيفة‏, ‏فضلا‏ ‏عن‏ ‏تزايد‏ ‏الانقسامات‏ ‏الثقافية‏. ‏وفسر‏ ‏ذلك‏ ‏بأنه‏ ‏عندما‏ ‏يفرض‏ ‏التحديث‏ ‏من‏ ‏أعلي‏ ‏أو‏ ‏من‏ ‏الخارج‏, ‏تنتج‏ ‏عنه‏ ‏حالة‏ ‏من‏ ‏عدم‏ ‏اليقين‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏أي‏ ‏وقت‏ ‏مضي‏, ‏بل‏ ‏قد‏ ‏ينظر‏ ‏بعض‏ ‏قطاعات‏ ‏المجتمع‏ ‏إلى‏ ‏هذا‏ ‏التطور‏ ‏كنوع‏ ‏من‏ ‏التهديد‏ ‏للهوية‏ ‏وما‏ ‏يرتبط‏ بها ‏من‏ ‏قيم‏ ‏وأنماط‏ ‏حياة‏. ‏ومعني‏ ‏ذلك‏ ‏أن‏ ‏التحديث‏ ‏لا‏ ‏يدعم‏ ‏الروح‏ ‏الديمقراطية‏ ‏التي‏ ‏اعتقد‏ ‏التحديثيون‏ ‏أن

 

The views expressed in articles published on Arkokabay.com are those of the authors alone. They do not necessarily represent the views or opinions of Arakokabay.com or its Editorial Board

 

ما ينشر من مقالات في موقع عركوكباي.كوم  يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع والقائمين عليه.

Send mail to Arkokabay  with questions, comments, opinions and/or articles

2006-05-21 23:52 :Copyright © 2005 Last modified