|
لغة العيون بقلم: ابراهيم الحاج رغم الكتاب الذي ظل مفتوحا بين يديه, غاب هو في سرحان حلق خلاله فوق مشوار الحياة الذي مر به عبر مواقف كان هو طرفا في البعض منها وشاهدا على البعض ألآخر ألى أن توقف أخيرا عند موقفا طريفا فأبتسم . كانت في الواقع أبتاسمة أقرب لضحكة أكثر منها الى أبتسامة . وسرعان ماأعقب ذلك لديه أحساسا يتراوح مابين الذنب والحرج. ولتدارك الموقف رفع راسه من الكتاب ليجري عملية مسح حتى يتأكد من أن أحدا من ركاب قطار الصباح المتجه صوب وسط المدينة لم يلحظ ألضحكة المفاجأة.. بداية أتجه بنظراته الى المقعد المقابل له مباشرة حيث كانت تجلس فتاة في الثلث ألأخير من العشرينيات من العمر. كانت ترتضي بلوزة شفافة وفستان ضيق. كان لونهما والنقوشات ذي ألأشكال الهندسية عليهما قد أضفت على الفتاة الطابع الرسمي وأغلب الظن أنها موظفة أستقبال في أحد شركات التأمين ... كانت الفتاة شبه مشغولة بتصفح مجلة نسائية متخصصة في نقل ألأخبار الشخصية والخاصة جدا ... مثل أن الممثلة الفلانية شوهدت في فندق خمسة نجوم بصحبة نجم كروي صاعد عشية مباراة مصيرية خسرها فريقه – فيما بعد - بثلاثة أهداف رومانسية, وأن عارضة ألأزياء الفلانية ستحرم عشاقها من مشيتها الغزالية لأنها حامل في شهرها ألرابع. كانت من نوع المجلات التي أكتسحت ألأسواق رواجا بفضل فضولية قراء هذه النوعية من ألأخبار, ألأمرالذي دفع الكثيرمن شركات ألأعلانات الى التسابق من أجل حجز مساحات مناسبة بها للأعلانات. أكدت عملية المسح السريعة بأن الموظفة كانت فعلا مشغولة بالمجلة ولم تلحظ ما كان يدور حولها. ثم ألتفت الى يساره .. حيث كانت هناك فتاة لاتتجاوز الثامنة عشرة كانت - حسب الزي المدرسي وشنطة الكتب – في طريقها الى المدرسة , ألا أن الواضح أن أهتمام الشابة في تلك اللحظة كان منصبا تماما حول جهاز الموبايل الذي بيدها, ا وأغلب الظن أنه لم يمض أكثر من يومين على أقتنامها له. وقد بدى عليها ألأصرارعلى أمتلاك التقنية الخاصة به قبل وصولها الى محطتها ألأخيرة - أي المدرسة - وهنا أيضا أكدت عملية المسح الثانية بأن الموقف لايدعو الى القلق.. أما أمام الطالبة وعلى يمين موظفة ألأستقبال كانت هناك فتاة صينية - لم تتجاوز الخامسة والعشرون - كانت ألأناقة فيها هبة فطرية, أما نظارة القراءة ومن خلفها العيون الساحرة فكانتا تشيران الى أنها معيدة في كلية ألأداب, ومجرد ماألتقت عيناه بعينيها تأكد له بأنها قد لاحظت ليست الضحكة فحسب بل كانت تتابع مسلسل عملية المسح التى كان يقوم بها سرا والتي قادته أخيرا الى عيونها. وكان من الطبيعي جدا أن ينجم عن تلك المواجهة النظرية وضعية الغالب والمغلوب , هازم ومهزوم , صامد ومنسحب. فكان دور ألمنسحب في هذه الجولة من المواجهة من نصيبه. و يرجع سبب ألأنسحاب أولا لأحساسه بالذنب - لأنه ضحك لسبب لم يظل مجهولا لدى الصينية – وثانيا لأحساسه الخاص بأنه من الواجب – أدبيا - تقديم المبرر لذلك. فقد طغت محصلة هذين ألأحساسين على ضميره لينتهي به ألأمر الى ألأنسحاب بنظراته وتحويلها فورا الى جبهة أخرى وتحديدا صوب نافذة القطار التي على يمينه ليقوم بتقييم الموقف, أولا, ثم أعداد طبيعة ونوعية المواجهة القادمة وذلك بهدوء وبعيدا عن نظرات الصينية التي هزمته في الجولة ألأولى من المنازلة. وهنا بدت النافذة وكأنها, هي ألأخرى, في مواجهة خاصة بها مع الطبيعة والقطار وكأنه يتعرض لوابل من أللطمات كانت توجهها له حبات المطر التي كانت تلاحقه على طول الخط وبمنتهى الشراسة. وقد خلفت تلك المواجهة لوحة فنية متحركة على صدرالنافذة. كانت في الواقع عبارة عن لوحة خيالية نقشتها حبات المطرالمنهمرة من قمة النافذة لتشق طريقها نحو القاع وكـأنها في سباق مع بعضها البعض عبرجداول تتوازى فيها المسارات أحيانا و تتقاطع أحيانا أخرى لينتهي بها المصير الى التلاشي وألأختفاء لتحل محلها قطرات جديدة ترفع الراية وتواصل المشوار بنفس العزم وألأصرار رغم المصير المجهول الذي ينتظرها ... في الحسابات الموسمية - في هذه البقعة من الكون - يقع شهر مارس في منتصف المسافة ما بين نهاية الصيف وبداية الخريف وعليه كان هطول ألأمطار في ذلك اليوم – في مدينة ملبورن - لم يكن متوقعا تماما فحسب بل جاء تسللا دون أن ترصده تقنية مصلحة ألأرصاد الجوية. ورغم ذلك كان لدى الركاب أحساسا عاما بالأرتياح مبعثه أن حكومة الولاية قد تعيد النظر في قيودها الصارمة حول أستهلاك المياه... وأمام أصرار المطرعلى الملاحقة, لم يكن لقطارالمدينة من خيار سوى الهروب و التوقف من حين لآخرلآلتقاط أنفاسه أولا ثم لألتقاط المزيد من الركاب المنتشرين في المحطات المتناثرة على طول خط القطار الذي بدى وكأنه في حاجة الى من يرافقه رحلة الهروب تلك. ومع أزدياد حدة ألأمطار رد القطار بمزيد من السرعة. وكانت اللوحة تتخذ أشكالا تعكس كل مرحلة من مراحل المواجهة بين المطر والقطار. أكتظى القطار بالركاب ولم تعد به مساحة للوقوف ناهيك عن الجلوس ... ومن بين الركاب الواقفين كانت هناك فتاة دلت ملامحها أنها تجاوزت الخامسة والثلاثون بشهور قليلة , أما الملفت فيها كان ملابسها التي تبللت وألتصقت بجسمها التصاقا غير عاديا وكأن المطر أستهدفتها دون سواها من البشر. ورغم ذلك بدى عليها ألأرتياح لأن القطار لم يفوتها ... وكأنه أهم لديها من قطار الزواج..... ظل - للحظات - يتأمل منظر اللوحة المتحركة والقطار الهارب ولكن كان لابد - في النهاية - أن يعود الى موضوع الصينية لأنه كان يرى أنه ملزما - ذوقا وأدبا– أن يقوم بالتوضيح طالما انها لاحظت ماكان يقلقه. نعم أنها أنسانة غريبة لديه ولم يجمع بينهما سوى رحلة القطار الهارب في ذلك الصباح وأن نسبة أحتمالات تلاقيهما مرة أخرى هي - في الواقع - نسبة أقل من فرصة أنجولا بالفوز بكأس العالم , ورغم ذلك كان حريصا على أن يظهر بمظهر الجينتلمان لأنه - بطبعه - أنسان حساسا وراقيا في تعامله مع ألأخرين, ولم ينسى يوما نصيحة أستاذه في المرحلة ألأبتدائية - عامل الناس كما تحب أن يعاملوك - ثم أنه لو كان في موقف الصينية لتوقع الأعتذار او التوضيح . لهذا كله راى أنه لابد من طمأنة الصينية وأن الضحك الذي بدر منه لم يكن موجها لشخصها ... بل يعود لموقف طريف تذكره فجأة بينما كان يهم بمواصلة قراأت الكتاب كما أعتاد أن يفعل وهو في طريقه الى مقر عمله. وبعد أن أعد العدة وهيأ نفسه للمواجهة قام أخيرا بسحب نظراته من اللوحة المتحركة وحولها نحو الصينية التي يبدو أنها كانت في أنتظاره فألتقت عيونهما مرة أخرى. ولكن هذه المرة لم يتهرب مثل ما فعل في المرة السابقة بل واجه النظرة بنظرة والصمود بصمود .. و كانت المفاجأة أن بادرت هي بكسرالحاجز النفسي حيث بادرت بالحديث موجهة نظراتها الى الكتاب الذي ظل مفتوحا بين يديه .. " كاتب مثير؟" حديثها كان يدل على أنها قد قرأت من قبل بعض روايات الموألف ذاته وكان أيضا بمثابة مخرجا مناسبا له حيث كان بأمكانه أن يختلق لها موقفا من الكتاب ويدعي بأنه كان وراء ضحكته المفاجئة , ولكنه أختار طريق الصراحة... ثم ولما لايستغل هذا الموقف ويعرف الصينية عن تجربة شعبه .. عن شعبا خاض أروع تجربة ثورية .. عن تجربة ثورية لاتقل شأنا من ناحية التضحية والصمود عن التجربة الصينية من أجل التحرير. وهذا هو فعلا الخط الذي أنتهجه فرد: " أبدا والله ... ماأضحكني كان موقفا مضى عليه ربع قرن من الزمان وحدث في مكان يبعد ألاف ألأميال من المحطة ألأخيرة لهذا القطار"... بدى ألأهتمام على وجه الصينية التي أنتقلت زحفا الى المقعد المقابل له مباشرة والذي أصبح شاغرا بعد نزول موظفة شركة التأمين في المحطة السابقة. ثم واصل: "شهد عام 1977أسرعددا كبيرا من قوات الجيش ألأثيوبي يعد أن أنتقل ميزان التفوق العسكري لصالح ألثورة ألأرترية في كفاحها الطويل من أجل التحرير. وفي أحد معسكرات ألأسرى ألأثيوبيين نشب خلاف حاد بين أحد الضباط ألأسرى وبين بعض الجنود الذين معه في ألأسر " قاطعته الصينية " ثورة أرتربا؟ " " نعم ثورة أرترية" يتمتع - بطل هذه القصة - بسرعة فائقة في أنتقاء المثال المناسب في الموقف المناسب .. وللعيون المناسبة .. . فوضح لها... "نعم ثورة أرترية . فعلى عكس الشعب ألصيني الذي كانت نهاية الحرب العالمية الثانية بمثابة أنهاء ألأستعمار وألآنطلاق نحو أفاق المستقبل , كانت نهاية تلك الحرب بمثابة بداية أستعمار جديد للشعب ألأرتري والذي كان لابد من أنه يخوض تجربة ثورية من أجل أنهاء ذلك ألأحتلال. كان للمقارنة التأريخية بين شعبها وشعبه مفعولا ساحرا على وجدان – بطلة هذه القصة - التى بدت أكثر أهتماما وأقوى أنجذابا وأحلى تشوقا لحديث هذا الشاب الذي جمعت بينهما صدفة غريبة .. واصل حديثه "أما المشاداة حدثت عندما طلب أحد الضباط ألأسرى من الجنود ليس أعداد الطعام له وغسل ملابسه فحسب بل أن يقدموا له جميعا التحيه العسكرية وقوفا كلما مر هو أمامهم .. ناسيا أنه أيضا أسيرا مثلهم وأنهم سواسية في ذلك المعسكر" وهنا أنفجرت الصينية ضحكا عاليا وطويلا ... على موقف ذلك ألضابط العايش على أحلام اليقظة. وفي آن واحد ودون أتفاق مسبق التفت كلاهما حولهما لقياس رد فعل الركاب على القهقهة الصينية. وكانت المفاجأة أنه لم يبق في القطار أحدا سواهما. ففي خضم انشغاله بالحديث اليها من جانب , وانشغالها المطلق بمتابعة كل كلمة كانت تبدرمنه من جانب آخر, لم يلحظ أيا منهما بأن القطار قد وصل الى محطته ألأخيرة وأن الركاب جميعهم قد غادروه. فألتقت عيونهما هما مرة أخرى .. ولكن - هذه المرة - كان ألأنسحاب من نصيبها . كان أنسحابا مصحوبا بأبتسامة خجل ..... فلم يطلب منها ألتوضيح ...ولا التحية العسكرية ..لأن رحلة القطار قد أنتهت ببيان مشترك سطرت حروفه بلغة مشتركة .. لغة العيون ...
|
||
|
|
||
|
|
||
|
ما ينشر من مقالات في موقع عركوكباي.كوم يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع والقائمين عليه |
The views expressed in articles published on Arkokabay.com are those of the authors alone. They do not necessarily represent the views or opinions of Arakokabay.com or its Editorial Board |
|
|
Send mail to Arkokabay with questions, comments, opinions and/or articles |
||
| 2006-06-08 23:18 :Copyright © 2005 Last modified | ||