تأملات في واقعنا السياسي

بقلم: زين العابدين شوكاي 

معظم مظاهر العمل السياسي الإرتري إما أن تكون امتدادا لحركة الثورة الإرترية، أو أنها تنظيمات وحركات نشأت لاحقاً لكنها لم ترتق إلى مستوى تشكيل إضافة نوعية مقنعة. ينبغي الإشارة أولاً إلى أن الفكر السياسي الإرتري يعاني من أزمة مزمنة وعامة، وعندما تعاني الشعوب من أزمات سياسية مزمنة، تبدأ قواها الحية في طرح أسئلة وجودية، وطرح القضايا الحقيقية التي تكمن وراء تلك الأزمة الوجودية، الأمر الذي بدت آثاره تظهر في الآونة الأخيرة على المستوى الإرتري. وهنا تأتي أهمية عدم الخلط بين أزمة القوى السياسية وبين أزمة المجتمع بأسره، والذي تعتبر أزمته أكبر وأبلغ أثرا من أزمة التنظيمات السياسية نفسها، رغم أن الفصل بين الأزمتين أمر غير ممكن من الناحية العملية. واقع الحركة السياسية الإرترية وخطابها السياسي يؤكد فشلها في تعميق مفاهيم سياسية أساسية تعتبر مفاتيح لفهم الواقع بصورة فيها جرأة واقعية ودقة، وهذا له علاقة جدلية بالتطور الذي وصل إليه المجتمع الإرتري سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا.

هناك نظرتان متباينتان لكيان الوطن الإرتري، طرحت نفسها للنقاش مؤخرًا ولم يصل بصددها الإرتريون إلى اتفاق عام بعد. فالأولى يمكن أن يطلق عليها النظرة التقليدية لهذا الكيان، التي تعتبر الوطن هبة السماء، ويجب الحفاظ عليه وعلى وحدته بأي ثمن كان، ودون مناقشة الأضرار المترتبة على هذا النهج، من اختلال يصيب توزيع السلطة والثروة من جهة، ومن تشوه للوعي الفردي منه والجماعي في ترتيب الأولويات، بحيث تأتي فكرة الوطن المجردة والحفاظ على وحدته بأي ثمن كان في المقام الأول. أمّا النظرة الأخرى، وهذه نظرة بدأت تطرح نفسها بقوة بعد الاستقلال، تخضع فكرة الوطن المجردة لمعايير واقعية تقدم كرامة الإنسان وحريته، والحفاظ على إنسان الوطن أكثر من الحفاظ على الفكرة المجردة للوطن التي وضعت خطأ في المقام الأول.

هاتان النظرتان لهما أنصار أقوياء في الواقع السياسي الإرتري، سواء داخل التنظيمات أم خارجها. فأنصار وجهة النظر الأولى هم من خريجي مدرسة الثورة الإرترية، الذين تلقوا فكرة الوطن المجردة في مدرستها ويصعب عليهم التنازل عن تلك النظرة المثالية للوطن بسهولة، بينما يرى أنصار النظرة الأخرى والجديدة إمكانية إخضاع فكرة الوطن المجردة للمعايير الواقعية التي تؤمن أن وطنًا لا يوفر قدرًا مقبولاً من الكرامة الإنسانية لأبناء شعبه بعيدًا عن انتمائهم الطائفي، أو الإقليمي، أو القبلي ليس جديرًا بأن يسمى وطنًا للجميع. أرجو ألاّ يفهم من هذا الطرح أن هناك معسكرين متباينين ومتصارعين في تبني هذين الطرحين داخل الحركات السياسية الإرترية، بل كل ما يمكن ملاحظته بهذا الخصوص هو انعكاس هذا الأمر أو هذا الفصل الجزئي في وعي الناس فقط بين النظرة التقليدية التي تقدس فكرة الوطن المجردة، وبين إخضاع فكرة الوطن لمعطيات الواقع الجديد الذي يقر بالتعدد، ويحاول أن يوجد له أساليب في التقنين والتشريع تأخذ في الحسبان كل مكونات الكيان القائم، ولخلق حالة من التسويات بالتراضي بين مكوناته لتتعايش فيما بينها سلميًّا. لذا يمكن القول إن فكرة الوطن المجردة آخذة حقًّا في التراجع على نطاق واسع، ولا يعود الفضل في خلق هذا الوعي لطرف بعينه، بقدر ما هو حالة فكرية عامة أخذت في التنامي في السنوات التي أعقبت استقلال إرتريا، وهي كحالة عامة نشهد لها تطورات مماثلة ومتوازية مع ما يحدث في محيطنا الجغرافي، ومع ما يحدث في العالم من توجه تفكيكي للعلاقات البالية وإعادة صياغتها على أسس جديدة. 

هناك غياب رؤية واضحة للكيان الإرتري نفسه، أي أزمة الهوية، كما يحلو للبعض أن يطلقوا عليها، وعلاقة هذا الكيان بمحيطه الجغرافي والثقافي. ويعتبر هذا الأمر قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر إن عاجلاً أم آجلاً، عليه يجب العمل من أجل نزع فتيل الانفجار قبل حدوث الكارثة. السلطة القائمة في إرتريا لم تخلق هذه الأزمة، فهي كانت قائمة مع قيام الكيان الإرتري نفسه، وفي الصراعات التي أعقبت قيامه، لكن السلطة الحالية عمقت هذه الأزمة، واستغلتها استغلالاً بشعًا لأغراضها وأهدافها الآنية والضيقة. ولن تزول هذه المشكلة بزوال السلطة الحالية لأن أسباب وجودها أعمق وأقدم من السلطة الحالية، كما أنها لم تلق حتى الآن المعالجات الصحيحة التي تستحقها. وهنا تحضرني حقيقة قرأتها مؤخرا أثارت بشدة انتباهي رغم بساطتها وهي أن الفكر الوطني التحرري في بلدان العالم الثالث التي خضعت للاستعمار مبني على الدفاع عن حقائق وكيانات لم تساهم هذه الشعوب في وضعها ورسم خرائطها، لكنها اليوم بحكم الواقع مضطرة للدفاع عنها. وفي هذه المعضلة الرئيسية يكمن الكثير من إشكاليات تلك الكيانات القائمة فيما يعرف بدول العالم الثالث. وحتى الثورات التي خرجت في تلك البلدان لم تخضع تلك الكيانات القائمة للتساؤل، ولم تستهدف تغيير بنيتها القائمة، بل أصبح السؤال بالنسبة لها من يمارس السيادة ويمتلك السلطة في تلك الكيانات، ولا تعتبر إرتريا استثناءً في هذا الأمر.

وانطلاقًا من واقعنا الإرتري، ظلت قواه السياسية تجتهد إلى يومنا هذا بمختلف مشاربها للتأكيد على أهمية الوحدة الوطنية، على حساب التنوع، ومعالجة قضايا التنوع والاختلاف من خلال أساليب غير ديمقراطية، وفشلت هذه القوى في إدراك أن هوية الإنسان والمجتمع قائمة على التنوع داخل الوحدة، وبالتالي نرى دومًا في تجارب الشعوب المستقرة ثقافات وديانات متباينة تسعى إلى التعايش فيما بينها ضمن إطار واحد، بوضعها أسسًا وضوابط لتقنين هذا التعايش. وقد ظلت مخاوف القوى السياسية الإرترية تتمثل في ألاّ تقع مجابهات بين الهويات المختلفة والمتباينة، وهذا التخوف أسهم بصورة أو بأخرى في المحاولات المتكررة التي تمت في إطار الثورة الإرترية لقمع كل أشكال التعبير السياسي عن هذا التنوع، لكن ذلك لم يحقق ما كانت تسعى إليه تلك القوى، بل تصادمت الهويات مرات عديدة، وكاد النسيج الاجتماعي الإرتري أن يتمزق بأشكال شتى منذ فترة تقرير المصير، وحتى في فترة الثورة. السؤال الذي يطرح نفسه هو هل المجابهة بين الهويات المختلفة أمر حتمي، أم أن هناك إيجابيات يمكن أن ينعم بها الإنسان سويًّا في وطن واحد رغم اختلاف هوياته، سواء كان ذلك على المستوى الإرتري أم كمبدأ إنساني عام. يمكن للإنسان أن ينعم بجهود متعاونة رغم اختلاف هوياته بخيرات البلاد من تقدم اقتصادي وعلمي، وبيئة نظيفة، ومحاربة الجهل والفقر والجوع والمرض، وهذه شرور تؤذي الإنسان وتقتله بغض النظر عن انتمائه، والعمل معًا على إزالة هذه الشرور من جهل وفقر وجوع ومرض، والانتفاع بخيرات البلاد بشكل عادل ومتوازن، ينـزع فتيل التوتر، ويزيل مبررات التنازع والصراع بين الناس.

والديمقراطية التي نحاول جميعا، بصرف النظر عن أوطاننا، وجنسياتنا، وثقافاتنا، وأدياننا، أن نتمسك بها، ونؤكد إيماننا بها وولاءنا للقيم الأساسية فيها، ما هي إلا نتاج غربي وبضاعة غربية بصورتها الحالية، وإسهامات الشعوب والثقافات الأخرى فيها، بما هي عليه الآن، قليل للغاية، ويكاد ألاّ يذكر، سواء كان ذلك تنظيرًا أم ممارسة. انطلاقًا ممّا ذكر يمكن الإقرار بأن هذه الممارسة "الديمقراطية" رغم غرابتها على شعوبنا، إلا أننا لا نملك إزاءها أي بديل آخر سوى التمسك بما تقدمه من حلول ومبادئ عامة لإدارة الحكم وإدارة الصراعات. وإذا أسلمنا من حيث المبدأ بغرابتها أولاً، ثم بعدم وجود أي بديل آخر لها من إنتاج ثقافاتنا المحلية أو القريبة منا، فالخيار المتاح أمام شعوبنا وأمام حركاتنا السياسية هو الأخذ بها، والتعلم ممن سبقونا فيها، ومحاولة إخضاع هذا المفهوم العصي وهذه القضية المعقدة، لظروف شعوبنا، والتطور التاريخي الذي مرت به هذه الشعوب، والتكوينات الثقافية والعرقية لتلك الشعوب.

 

 

ملحوظة: هذه مقتطفات من مقال تم نشره سابقًا على صفحات الإنترنيت، وهذه المقتطفات مأخوذة أساسًا من ذلك المقال بعد أن أضيفت إليها إضافات بسيطة.    زين شوكاي

 

 

ما ينشر من مقالات في موقع عركوكباي.كوم  يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع والقائمين عليه

 

The views expressed in articles published on Arkokabay.com are those of the authors alone. They do not necessarily represent the views or opinions of Arakokabay.com or its Editorial Board

Send mail to Arkokabay  with questions, comments, opinions and/or articles

2006-05-24 21:33 :Copyright © 2005 Last modified