أطيش من ذبابة

من التواني والعجز نتج الهلاك، مقولة تعكس بمصداقية حال المسلمين في إرتريا حيث الاعتقاد  بأن للباطل جولة ثم يضمحل، ولكن المنطق يقول: هيهات أن يبطل أو يضمحل من نفسه، إذا استمر التواني والعجز وانعدمت المقاومة. 

في مقالتي السابقة تحدثت عن مواقف المسيحيين، في الماضي والحاضر والمستقبل، عندما أشرت إلى السلوك السياسي الأناني للتيار الرئيسي المؤثر. أما المنبوذين والمهشمين، فان حالهم كحال النعاج الموبوءة بالجرب، ترعى على أطراف القطيع، لضعفها ولفشلها في المزاحمة على الكلأ، فهم وإن تظاهروا بالكلام المنمق، فإنهم لا يخرجون عن دائرة المثل القائل: لا (عافطة ولا نافطة)، فالعافطة هي النعجة والنافطة تعني العنزة، فيضرب لبيان سوء الحال.

أيضا يقول المثل: (أطيش من ذبابة)، أو (أطفل من ذباب)، أو (أجرأ من الذباب)، لأنه على الرغم مما يلقاه من المطاردة المستمرة فهو يعود، ويلقي بنفسه في كل شيء، البارد والحار على  السواء، لا يستقر ولا يهمد حتى يلقى حتفه.

وهكذا عاد حديث المتطفلين بعد غياب نسبي عما يكتبه الآخرون، لا بالتفنيد والنقد، وهو أسلوب مرحب به، بل بالسخرية والشماتة، والغريب يحدث هذا برغم من "هشنا" لهم في المرات السابقة.

 ومع ذلك عادت ثرثراتهم التي لا طائل منها ولا نائل، لا فضل ولا وجود. لأنه وباعتقادي، ومع كل ما يثيرونه من الزوابع، فإن حالهم كحال الكلب الذي إن تحمل عليه يلهث، وإن تتركه يلهث.

 إذا كان الكلب تلزمه ظاهرة اللهث المستمرة هذه، لنقيصة عضوية خلقية فما هي مشكلة المتطفلين؟ ولماذا لا يطرحون ما يدعونه من الثراء الثقافي والمعرفي، دون التطفل على ما يكتبه الآخرون؟

ويقال: إن أيوب عليه السلام سئل لما خرج من البلاء الذي كان فيه: أي شيء كان أشد عليك من جملة ما مر بك؟. قال: شماتة الأعداء.

إذا ما الدهر جر على أناس: كلا كله أناخ بآخرينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا: سيلقى الشامتون كما لقينا

الرد على إيميل

طلب مني أحد القراء الكرام، توضيح كيف يمكن لتقليب الحجارة وبناء السدود والترع أن يلحق الضرر في البيئة. فكان ردي عليه ما يلي: كل مفردة في البيئة، يمكن رؤيتها بالعين المجردة، من الجماد والنبات والحيوان، وحتى تلك التي لا ترى، فوق التربة وتحت التربة، لها وظيفة في النظام البيئي.

       النظام البيئي المثالي، هو المكان الذي يعيش فيه الإنسان مع تلك الأشياء في توافق مستمر، وإذا حصل تدخل غير مدروس في هذا التوازن، فإن نتائجه تكون خطيرة حتى لو لم نتلمس ذلك. وان كل ما يقوم به "النظام الطائفي العنصري" من العربدة باسم التنمية، هي أعمال تتم دون دراسة، ولا تحسب ولا تقيم عواقبها العاجلة والآجلة لأن هناك جهل تام. ولمزيد من التوضيح، أسوق هذا المثال الحي، الذي رأيته بأم عيني، على أرض الواقع، عندما قمت بجولة مع قريب لي حول المنطقة، حيث في بقعة معينة سألته: ألم تكن في هذا المكان غابة كثيفة؟

قال: نعم، كانت هنا غابة.  قلت: إذن، ماذا حدث؟ وأين ذهبت تلك الأشجار الوارفة الظليلة وتلك الأحراش الكثيفة؟ قال: الله ينتقم منهم. وقلت: من تقصد؟ قال: هؤلاء الذين يمسكون بلدنا الآن. لقد عمل الفوج بعد الفوج منهم في قطعها وحرقها حتى تحولت تلك البقعة الخضراء إلى أرض جرداء...، ...، .

 بينما هو في سرده استمر....، فشردت بذهني إلى أيام الطفولة، عند موسم الأمطار والسيول، وتذكرت تسلقي؛ أنا وأصدقاء، تلك الأشجار، والسقوط من علوها في البرك والأحواض.

إذن كم هي تلك جريمة بشعة من الناحية البيئة؟ كم من النباتات والحيوانات، انقرضت دون رجعة؟ كم من الأضرار ألحقت بالقاطنين في تلك المنطقة من جراء اختفاء تلك الغابة.

أخبرني قريبي هذا ونحن في نفس المكان عن حادثة أخرى، تشير إلى محاولة ثانية للإلحاق الضرر الأكبر بأهالي تلك المنطقة، وذلك عندما حضر بعد التحرير خمسة رجال يحملون تفويض من الحكومة بإقامة "سد"، ولكن قبل القيام بالعمل، تظاهروا بالرغبة للاستماع إلى آراء الناس بغرض جمعها وغربلتها وتصنيفها.

 ومن أجل ذلك الغرض، تشكلت اللجنة، وطرحت الأفكار عن أهمية المشروع وعوائده التنموية لأنه سوف يمكن المزارعين من العمل في الموسمين ومع توفير المياه يمكن زراعة محاصيل إضافية، وعند التصعيد في الآمال أكثر فأكثر، قيل سوف يكون هناك إمكانية لإحضار "المعدات" وتوليد الكهرباء، الأمر الذي سوف يمكن المزارعين من تخزين المنتجات النباتية والحيوانية، وتصديرها إلى المناطق البعيدة، وهذا يعني تطوير التجارة من مستوى المقايضة إلى مستوى التداول النقدي.

 بعثت هذه التوقعات المتفائلة في أفئدة البسطاء الفرح العارم، وراحوا يتساءلون بين بعضهم البعض: هل من المعقول أن تدخل الكهرباء إلي قريتنا؟ ولم يدم الفرح طويلا لأنه وفي الزيارة الثانية للرجال الخمسة، والتقائهم باللجنة المحلية قيل لهم: إن ذلك ممكنا، ولكنه يحتاج مبلغا طائلا من المال، يمكن جمعه عن طريق التبرع. لماذا؟ لأن شعار هذه الدولة هو الاعتماد على الذات، (نأكل مما نزرع)، و(نلبس مما نصنع)، وبما أنه لا أحد يملك المدخرات البنكية في تلك المنطقة، ولأن من يقطنها يعيش من اليد إلى الفم، قد تم تقسيم المبلغ على هؤلاء البؤساء، وجرى كل منهم في اتجاه لتوفير المطلوب وعند جمعه تم وضعه في يد اللجنة، ومنها إلى أيدي الرجال الخمسة، وبتالي إلى خزينة الدولة.

النتيجة؛ طحن الانتظار الأهالي، لأنه حصل غياب طويل أمتد إلى شهور ولم يعد الرجال الخمسة وحضر بدلا عنهم أربعة آخرين، أطلقوا على أنفسهم مسمى: مهندسون، بحوزتهم الخريطة والمخطط، وجيوبهم متخمة بأقلام ملونة من أحمر وأزرق وأخضر، وانتقل الجمع إلى مكان "السد" المفترض برفقة اللجنة المحلية وبعد اللف والدوران في المكان، وأخذ القياسات والتخبط في الحوارات المملة انتهى الأمر إلى وضع الإشارات.

 وعندها فقط تدخل عضو من أعضاء اللجنة المحلية موجها كلامه إلى المترجم: يا ولد، أسألهم: إلى ماذا توصلتم لأننا نراهم يضعون الإشارات في هذا المكان؟ وفي الرد قال رئيس المهندسين: قررنا أن نبني "السد" في هذا المكان والتفت أعضاء اللجنة إلى بعضهم البعض باستغراب واستهجان.

قال الرجل صاحب السؤال نفسه: كيف تبنون "السد" في هذا الموقع؟ ومن منكم المهندس فعلا؟ وأحدث ذلك الكلام في نفس المهندسين صدمة عنيفة وبدأت الهمهمات وعندما خبت قال رئيس المهندسين: إذن، برأيكم أين نبني "السد"؟ قال الرجل وهو أمي: يا رجل، إذا بنيت "السد" في هذه البقعة أين يمكنك حجز المياه التي تنزل فم الوادي؟ ومن هذه الجبال أيضا ومهما صعدت بارتفاع "السد" فإنه لا يمكنك حجز المياه لأن المياه عندما تحجز، تحتاج إلى حيز أو (وسعة) تخزن فيها.

استفسر رئيس المهندسين قائلا: أكيد أنتم تبنون السدود، أين تبنون عادة؟ كان هذا سؤالا ذكيا ووجيها، يفترض طرحه من أول وهلة ومع ذلك قال الرجل: تعال اتبعني أريك أين قد بنينا سدودنا وتحرك الجميع إلى مسافة معينة، أسفل المنطقة وتوقف الرجل ثم قال: في هذا المكان قد بنينا السدود، لعشرات من السنين.

 قال رئيس المهندسين: ولكن السد في هذا المكان يتطلب مواد كثيرة لأن عرض الوادي فيه واسع. فقال الرجل:  عموما، نحن لا نؤسس سدا مغلقا، ونترك على الطرفين فتحتين لتسريب فيض المياه، ونخرج أفرع رئيسية وثانوية، وعندما تبلغ المياه حد الغرق لمزارعنا وبيوتنا، نفجر السد، ونعيد تشيده في الموسم التالي.

وجد رئيس المهندسين المعقولية فيما سمع، وذهب وغاب لشهور، ثم حضر وهو يحمل اقتراحا يقول: يمكن بناء "السد" في المكان المحدد، أو في أسلفه بقليل، والآن المطلوب منكم كما تقترح الحكومة أن تتجمع بيوتكم الموزعة بين المزارع في مكان واحد.

فكان ذلك هو الاقتراح الذي بدد مشروع بناء "السد"، كونه جوبه باعتراض عارم وانصرف المهندسون دون رجعة، وكل ما فقده أهالي القرية مبلغ التبرع، أليست هي دولة الضيق؟، أليست هي دولة اللصوص؟.

وعند عودتي إلى "أسمرأ"، قابلت بالصدفة شخصا من الأشخاص، في استراحة الفندق يتغذى على سمكة مشوية. وقلت في نفسي:أكيد هذه من آثار العولمة، وهو الرجل نفسه، ذكر اسمه ضمن حكاية بناء "السد"، وكانت لي به معرفة سابقة، وبعد دردشة طويلة، رغبت في التيقن منه عن حكاية ذلك "السد". فأعاد إلى مسمعي نفس السيرة.

 وسألته عن رأيه، فقال: بذلت الحكومة كل ما تستطيع، وكان هناك مخطط متكامل لبناء السد، بشرط أن يتجمع الأهالي في مكان واحد. قلت: برأيك، هل أخطأ الأهالي؟ فقال: طبعا، طبعا، ثم استطرد قائلا: لعلمك كل ناحية من نواحي سوف يصيبها القدر من التطور والتقدم والتحضر، إلا هؤلاء.

عندما شعر بعدم الارتياح مني، قال: أنت إيش رأيك؟ قلت: الحمد الله، على فشل ذلك المشروع الغبي. قال: ما السبب؟ قلت: لأنه كان عملا لم تسبقه الدراسة، كيف تطلب الحكومة من الأهالي ترك مزارعهم؟ يبدو لي أن الحكومة طرحت ذلك المشروع بغرض انتزاع المزارعين من مزارعهم، وتجميعهم في مكان واحد للتحكم بهم وعموما فإنني أرى في ذلك الفشل (خير ما وقع).  

محمد عثمان حمد

Sagga74@hotmail.com

 

 
 
 

The views expressed in articles published on Arkokabay.com are those of the authors alone. They do not necessarily represent the views or opinions of Arakokabay.com or its Editorial Board

 

ما ينشر من مقالات في موقع عركوكباي.كوم  يعبر عن رأي صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع والقائمين عليه.

Send mail to Arkokabay  with questions, comments, opinions and/or articles

2007-01-31 22:12 :Copyright © 2005 Last modified